عودك رنّان – هدى القرقني – ليبيا

عودك رنّان …..قصة قصيرة

———————-

العاشرة مساءً هو الموعد الذي حدده والدي لأن يكون أخوتي الاكبر مني في البيت سواء كان الوقت شتاء أو صيفًا بعد العاشرة وخمس دقائق يقفل باب البيت ويتركهم في الخارج ورغم علمه ان أمي تدخلهم بعد ان يذهب للنوم إلا أنه لم يغير من عادته تلك حتى كبرنا وغادرنا البيت .

كنا ثلاث شبان وأنا أصغرهم و

جميعنا نمتثل لأوامر أبي إلا أخي الأوسط(علي)فقد كان متمرد جداً وعادة ما يعاقب ولكن ذلك لم يثنِهِ عن السهر والعودة متأخراً في كل مرة ،كنا قريبين جداً من بعضنا رغم فارق السن بيننا

كنت أنا وأخي (علي)لنا نفس الغرفة ،وكان بين سريرينا طاولة مربعة عليها بعض الكتب والكثير من أشرطة الكاسيت ومسجل له فتحتان ، أخبرني يوماً انه ينوي أن يشتري (آلة) عود وجدها بثمن زهيد وقد قارب على جمع ثمنها ،أسعدني الخبر وساعدته في ذلك وقد أعطيته كل ما ادخرته في حصالتي وساعدته أمي أيضاً ،بعد عدم معارضة أبي لذلك وكنت سعيدا يوم أحضره إلى البيت وقد بدأ بالعزف عليه بإتقان وأنا اتساءل متى تعلم أخي كل ذلك ؟؟ لقد كان موهوباً وله أيضاً صوت جميل …

هذه الليلة عرفت أن جيراننا سيقيمون حفلاً صغيراً على السطح بمناسبة تخرج ابنهم من الجامعة هذا ما أخبرني به أخي وهو يرتب نفسه ويستعد للخروج ، تسللت إلى السطح لأرى ماذا يفعلون ،الكل منهمك في عمله فقد ثبتوا ألواحا خشبيةو وضعوا فوقها رواقا ملونا بألوان زاهية وفرشوا الأرض بالسجاد وعلقوا عناقيد من الإضاءة ،وعلى أحد الجوانب كان هناك من يقوم بتركيب مكبرات للصوت، وقررت أن أتسلل إلى هناك ليلاً للمشاهده ،فأنا لا أستطيع أن أحضر فقد أتأخر وأكون عرضة لتأنيب أبي ،كانت الساعة العاشرة عندما فاجأني صوت الموسيقى العالي جداً

وكأنه في غرفتي، خرجت على أطراف أصابعي إلى السطح حتى لا يسمعني أحد ،كان هناك الكثير من الشباب وقد انهمكوا في الغناء والتصفيق وكنت أحاول أن أرى ذلك الفنان الذي تحلق الشباب حوله وينظرون إليه بإعجاب ومن شدة دهشتي وجدته أخي وهو منهمك في العزف على عوده ،كنت أقف على قطعة كبيرة من الأسمنت ،ومن ارتباكي التوى كاحلي وسقطت على الأرض وعدت زحفاً إلى غرفتي وأنا أرتجف ،كيف لو علم أبي أن العود الذي وافق على شرائه قد أصبح ابنه يرتاد به الحفلات ويغني ،

غلبني النوم مع صوت أذان الفجر و

في الصباح سمعت أبي يخبر أمي :

انه لم ينم ليلة البارحة من كل هذه الفوضى ،وواصل حديثه.. شباب ضايع ليس لديهم ما يفعلونه ، ثم سأل أمي :

-اليوم نتيجة الدور الثاني للشهادة الثانوية، هل أخبرك علي بشيء ؟

لم ترد أمي عليه فقط هزت رأسها بالنفي،ولم تخبره بالطبع أنه عاد البارحة بعد منتصف الليل فهي تعرف أنه كان في فرح ابن جيرانا ولكن لا تعلم أنه هو من كان يغني هناك ،

استيقظ علي بعد أذان العصر ،

وجدني جالساً على حاشية سريره ،نظر الي وقال

-أشعر بصداع ،

قلت له:

– لقد رأيتك البارحة .

لم يبالِ بكلامي أخذ وشاحا كان بجانبه وضمد به رأسه وأخرج عوده واحتضنه وبدأ يغني …

عودك رنان

رنت عودك إلي

عيدها كمان …وظلك عيد يا علي

سمعني العود ..ع العالي

وعيدها كمان …

وبدأت أغني معه ثم غرقنا في الضحك وقال لي سأقوم بتسجيل أغاني جديدة على أشرطة كاسيت ،

وفي لحظه انفتح باب الغرفة وكان أبي غاضباً يتطاير الشرر من عينيه، أخذ العود من يد أخي ورمي به بكل قسوة على الأرض وقد تناثرت أجزاؤه وانكمشت أوتاره على بعضها وكأنها أصدرت أنينا ،

نظر أبي إلى علي وقال له وقد تهدج صوته :

لقد رسبت أيها الفاشل مرة أخرى ولم تخبرني،كل ذلك بسبب هذا وأشار إلى العود المحطم وخرج وهو يتمتم بكلمات لم نفهمها ،

، نظرت إليه وجدته جامدا في مكانه ينظر إلى عوده وقد أصبح جثة متناثرة الأطراف،ولأول مرة أرى دموعه وقد فاضت من عينيه وصوت احتكاك أسنانه …

لم يعد أخي إلى البيت بعد خروجه في ذلك اليوم وأصبح أبي يترك الباب مفتوحاً حتى الصباح .

هدى القرقني – ليبيا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s