المشاركة الفائزة بالترتيب الثاني بمسابقة القصة القصيرة التي اقيمت بمجموعة منبر

المشاركة الفائزة بالترتيب الثاني بمسابقة القصة القصيرة التي اقيمت بمجموعة منبر الأدب الأربعاء 18/11

الكنز ..

في بيتنا المكتظ بالأولاد والبنات،الأطفال والمراهقين، كان الحصول على شئ جديد حلم بعيد وامنية شاهقة كتلك النجوم في السماء سهل ان نراها صعب جدا ان نقترب منها، كنت احافظ على اشيائي وممتلكاتي القليلة بشكل قد يراه البعض مبالغا به ، اراها ثمينة تستحق تلك المحافظة وذلك الحرص فأنا لا اتلقى الكثير من الهدايا ولا احصل على اشياء جديدة الا بحساب السنين.

سافر ابي وامي في رحلة علاج طويلة قاربت العام الى ايطاليا على حساب الدولة،اجرى فيها ابي عمليات خطيرة على قلبه العليل،كنت كل ليلة انام والعبرات تخنقني لمرض ابي وغياب امي ،اشعر ببرد تصطك له اسناني واعرف جيدا اني مهما تدثرت فلن اشعر بالدفء وصدرها الحاني تفصلني عنه تلك المسافات الشاسعة ،انا ابنة الثمانية اعوام التي لم تكتشف من عالمها بعد سوى حنان امها والأمان الذي لاتشعر به الا في حماها.

اتصلت امي في احدى تلك الصباحات القاحلة من حنانها واحتوائها الناعم وأخبرتنا بأقتراب موعد عودتهم وسألتنا بترتيب اعمارنا عما نطلبه من هناك،كنت انتظر دوري بعيون حالمة لأقول رغبتي التي اختلفت عن الجميع،فالطلبات كانت فساتين واحذية ومعاطف….الا انا….لقد طلبت منهم خاتم الثعبان،ذلك الخاتم الذي كنت أرقبه في يد صديقتي بحسد طفولي ناعم وعينه الحمراء المتوهجة تخطف بصري،كنت اشعر دائما ان صديقتي تملك كنزا ثمينا وكم تمنيت ان اصبح مثلها وكم حلمت بذلك الخاتم يزين يدي ويشعرني بغبطة امتلاك الكنوز، قلت طلبي ذاك على استحياء وأملي ضئيل في الحصول عليه لكنني قلت بيني وبين نفسي على الأقل هي محاولة .

يوم وصول اهلي كنت انظر إلى هدايا اخوتي الذين نسوا مرض ابي واشتياقهم لأمي وسط فرحتهم بالملابس والفساتين والاحذية الجديدة، كنت انتظر هديتي بصمت ورجاء وكدت افقد املي في الحصول عليها ،فقد استلم الجميع هداياهم الا انا،رأيت امي تفتح حقيبة يدها وتخرج صندوقا ازرقا صغيرا وتمده لي، فتحته ،ورأيت تلك العين الحمراء البراقة تطالعني بقوة وكأنها تؤكد لي تحقيق الحلم وحصولي على الكنز،لا استطيع ان اصف تلك الفرحة العارمة التي شعرت بها عند رؤيتي لذلك الثعبان الذهبي الرائع ،حتى ان اخوتي تركوا هداياهم واتوا جميعا لتفحصه وعيونهم تمتلئ اعجابا وانبهارا،

وضعت ذلك الكنز في خزانتي،وكنت اتفقده عند استيقاظي من النوم وقبل ان آوي إلى فراشي ،لا أنام إلا عندما أرى ذلك التألق الأحمر الجميل كلما فتحت الصندوق وكأنه شمس قبيل الغروب جمعت خيوط الشفق المبعثرة و التجأت الى صندوقي لتغفو داخله وترتاح، اقفله بسعادة واطمئنان وبأيدي تعرف قيمة ذلك الكنز الذي يحويه واذهب للنوم وشعور من الغبطة يداعبني ويهدهدني ويسلمني الى نوم سلس مزدحم بالاحلام البهيجة..

لم نكن نخرج الا نادرا فعددنا الكبير كان يجعل امي تحرم علينا الخروج معها إلى اي مكان، فكان خروجنا ألى المدرسة فقط،، حرمت على نفسي لبس خاتمي الجميل في البيت وكنت انتظر ان نخرج إلى أي مكان حتى ينال اصبعي شرف تطويقه،……وجاء ذلك اليوم الموعود.،..جاء ابي وطلب منا تجهيز انفسنا للذهاب في رحلة إلى البحر،….بدأ كل منا يجهز نفسه على عجل وأصواتنا تتعالى في البحث عن بعض ملابسنا التي كانت تنتقل من خزانة احدنا إلى الآخر دون علمه عند الحاجة إليها، وكأنه مهرجان كثيف العدد يفتقد من ينظمه ويحد من فوضاه، فتحت صندوقي ولبست خاتمي الذهبي وشعور الزهو يتملكني وذهبنا لذلك الشاطئ الرائع الذي اكملنا جل الوقت ونحن نسبح فيه حتى اننا لم نخرج عندما نادانا ابي للطعام…،خرجت بعد وقت طويل وانا منهكة واخذت انشف شعري ونظرت الى يدي.،…لم أجد الخاتم، ضاع في تلك المياه الساحرة التي ابتلعت الكثير، شعرت بالهلع و بجسدي الضعيف يرتجف كعصفور انكسر جناحه ،.هطلت دموعي بغزارة حتى اغرقت وجهي ، بكيت بحرقة كنزي الذي لم يحمه كل ذلك الحرص والخوف، شعرت ان جهلي هو من اضاعه، يومها فقط عرفت ان البحر من الممكن ان يأخذ منك كل شئ دون ان تشعر، وانه لن يبالي بحزنك وألمك فقد سرق ارواح وسفن دون ان يحس يوما بأنه اخطأ في حق احد كما رأيت في أحد الأفلام ،فهمت تلك الجملة التي كان يرددها ابي..البحر غدار….اجتمع اخوتي حولي ونظروا لي بوجوم وحزن لم يستطيعوا التعبير عنه بالكلمات لإنهم كانوا يعرفون جيدا ان أي كلمات لا تستطيع ان تواسيني في فقدي لأيا من اشيائي البسيطة التي اجيد المحافظة عليها فما بالك بفقداني كنزي النفيس.

مرت سنوات طويلة على ذلك الا ان حرارة التفاصيل مازالت تلفحني وكأنها حدثت بالأمس ،نظرت بأعجاب الى خاتمي الذهبي المرصع بحجر كريم له بريق اخاذ لكنني لم استطع ابدا استعادة شعوري بأمتلاك الكنز

اسماء القرقني – ليبيا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s