نهاية سلطان – سليمة بن نزهة – ليبيا

نهاية سلطان

قصة قصيرة :: سليمة بن نزهة – ليبيا

لحظات قليلة تفصلنا عن موعد حضور الأصيل ذاك القاسي الجميل . . وكل هذه الموجودات من حولي بدأت تدخل في سبات عميق ، نوم هادئ وردي اللون متناسق القسمات… هذه اللحظات صور تمر ربما للمرة الأخيرة في حياتي سأراها ومع ذلك لم أعرها أدنى اهتمام .

بيت جدي الدافئ الصغير . . .. شكل لي في بعض مراحل طفولتي أمنية غالية على قلبي ارتبطت بالكثير من تلك الذكريات الجميلة التي تحملها مخيلة طفلة صغيرة وشابة حالمة .. . أذكر أنني كنت أقوم بطقوس خاصة فقط لمجرد طرح فكرة زيارة بيت جدي … وعقب انتهاء كل زيارة أظل أترتقب موعد الزيارة القادمة وكنت وعائلتي نزور بيت جدي كل نهاية أسبوع …. وهذا بالطبع تقليد سائد لا يمكن تجاوزه في العائلة .

بعد سنوات وبعد أن كبرت عائلتي وكبرت أنا أيضا اختصرت الزيارات على الأعياد الدينية والمناسبات الاجتماعية ولا أذكر تحديداً ما الذي كان يشدني لهذا البيت الصغير في حجمه… الكبير بقيمته عندي .. المهم أنني وبمجرد الدخول لمملكتي الصغيرة هذه كنت أشعر أني في دنيا أخرى …دنيا مختلفة تماماً عن الدنيا التي أعيشها في بيتنا الواسع الفسيح المبني على أحدث طراز . …

فأنا هنا في بيت جدي الأميرة المدللة التي تجاب كل طلباتها بسرور وسعادة ألمحها في عيني جدي باستمرار .. كبر هذا الشعور معي وظل أحساس يخالج روحي … رغم كثرة المترددين عليه من أطفال وكبار حملتهم معها السنون فزادت من عدد وحجم أحفاد العائلة إلا أن ذلك لم يهز ثقتي بنفسي وظللت رغم كبر سني طفلة جدي المدللة ..الأمر الذي جعلني في معظم الأحيان لا أشعر بوجود أولئك المنافسين الصغار من حولي … فلازال من حقي الاعتراض والانتقاد على جميع التصرفات التي تصدر عن أفراد العائلة كبيرهم قبل الصغير .. ولا يملك أحد حق الرد …. فأنا صندوق أسرار الجميع الكل يسعى لإرضائي وأخذ مشورتي ولازلت الوحيدة التي أمتلك حق اقتحام غرفة جدي المقدسة والنوم فوق سريره الضخم بحرية ومن يجرؤ على الحديث معي ولا حتى مجرد التفكير في لومي أو عتابي حول ما أقوم به…. ولكنها السنين كانت لا تجيد شيء مثل فن طي الصفحات بقسوة .

ومع ذلك كنت أردد في نفسي سأعاود فتح هده الصفحات من جديد مادامت فقط مطوية المهم أن تظل قائمة أن لا تمزق … أن لا تموت … أن لا تنتهي … هذا هو الأهم عندي … ويرد علي صوت جدي الهادئ يحزم :

أنا متعب .. مريض جدا … بالطبع لا املك سوى نقل هذا الإحساس لمن حولي في صيغة استهجان ملح سرعان مأتاتي أجابته في كلمات موجزة موحدة محفوظة عن ظهر قلب على لسان جدتي أو احد أخوالي ….. . جدك يحب أن يتدلل عليك كثيرا !

ومرت السنوات سريعا أسرع من لمح البصر ما فكرت يوما في تقديم شيء مفرح لجدي الذي لم يكن يحتفظ بأي شي لنفسه… كان يعطي كل ما يقع تحت يده لمن حوله حتى أنني كنت اشعر أن جدي إنسان معدم … مرات قليلة تلك التي رأيت فيها جدي يغضب أو يبتسم ونادرة جدا تلك الابتسامة التي تحط رحالها على ثغر جدي الواهن الدقيق الرسم لتعاود الرحيل مجدداً .. والغريب أن جدي لم يفقد وسامته الطاغية وغزارة شعره مع تقدمه في السن تماما كما ظل محتفظاً بطباعه البسيطة الجميلة… الكل من حولي كان يسعى للتغيير… جدي فقط ظل تمثالي الصامد ولحسن حظي أو لسوئه ربما لم يرث أي من أخوالي ولو شيء بسيط عن جدي …. مما جعله عندي أسطورة لا تتكرر ومع ذلك ورغم علاقتي التي لم تتعد حدود الطفلة المدللة كنت أحب جدي كثيرا حتى انه كان يخيل إلي أن جدي لن يموت و لا يمكنه الزوال … أبدا لم تستطع السنيين تغيير هذه الفكرة أو اقتلاعها من رأسي …… في المرة الأخيرة التي زرت فيها جدي بعد وعكته الصحية أدركت أنني ربما قد أكون أنانية أو غبية … جلست أمامه لفترة قصيرة بدأ يحدثني عن أشياء من ماضٍ سحيق واختلقت أنا إجابات بلهاء مبهمة للرد عليه … ذهبت للغرفة المجاورة لأقول لهم أن حالة جدي طبيعية جدا لأنني كثيرا ما أصاب بنفس الحالة ودائما ما أدخل في موجة الهذيان ….. ليعيدني صوت جدي الذي صار ضعيفاً جدا طالبا مني الحضور جلست وهو متكئا قرب موقد النار ….. نتبادل أحاديث ضبابية الملامح …. قررت بعده أن لا أحضر حتى يتماثل جدي للشفاء حتى لا أراه على هذا النحو من الذبول والتلاشي الذي كان يؤلمني …. لأن جدي رجل قوي صلب العزيمة لا يمكن أن تؤثر فيه وعكة صحية عابرة ولكني كنت خجلة جدا لقلة اهتمامي به وبحكم معرفتي بكل الأشياء التي تفرح قلب جدي وتدخل البهجة عليه …. قررت التسوق لوحدي ـ لأول مرة في حياتي …فهذه المرة سأضحي بذوق صديقاتي الذي كثيراً ما أسعفني لأنني أريد إن أفاجئ جدي… حتى أنا لا أريد أن اخبر نفسي حتى لا أفقد لذة المفاجأة وطعمها… كان صباحا جميلاً ولكنه كئيب.. مشاعري غريبة لم أكن قادرة على ترجمتها استولت على .. ربما هو الخجل لأني تأخرت كثيراً في تقديم شي ما لا أعرف ما هو لشخص تعود أن يعطيني كل ما يملك حتى لو كان هذا الشيء نفسه ..شعور بالتقصير والعجز و بالإحباط والأنانية فأنا ما فكرت في جدي ومشاعره ورغم كل هذا الاضطرابات داخلي قررت أن أتغلب على نفسي فهي فرصتي ولا مجال للتفكير الآن… حزمت أمري وبدأت أرتقي سلالم بيت جدي وخطواتي تشدني للوراء وللمرة الأولى في حياتي لا أركض وان أصعد السلالم داخلة لمملكتي ..

أخيراً وصلت للباب بعد جهد جهيد لم يستقبلني أحد عنده …هكذا إذن … سأخبر جدي أنهم لم يهتموا بي أدرت مقبض الباب .. غريب جدا فالباب مفتوح وضعت أحمالي الكثير الثقيلة التي لم أكن اشعر بها لشدة فرحي .. دخلت غرفة الاستقبال لا أحد موجود حتى خالتي التي تعودت استقبال ضيوفها لا وجود لها .. بالتأكيد جدي تماثل للشفاء ـ هكذا تراءى لي ـ سكون رهيب يعم المكان لا إراديا نظرت لساعة الحائط تشير للحادية عشر والنصف صباحا …. مكان جدي في حجرة الاستقبال كان خاليا لاول مرة منذ سنوات ولكنني كنت أعرف أن جدي انتقل للغرفة المجاورة بعد وعكته الصحية قطع تأملاتي صوت خالتي وهي تهمس وعينيها مليئتان بالدموع ولسانها يحمل تأكيد قاس تماماً…لقد مات جدك .. ..هكذا ببساطة … لا اعرف ماذا حدث … لم أهتم بالتفاصيل … ولست معنية باستعادة الشريط كما حدث …… الآن فقط أدركت ماذا يعني الموت… ماذا يعني أن لا أرى جدي بعد الآن ….أن يرحل سلطاني عن عرشه … حاملا معه قناع الحياة الوردي الذي غطى كوكبي لسنوات أن أخرج بمحض إرادتي عن عالمي بلا أدنى فكرة في الرجوع .

*كانت ذلك ذات شتاء في ديسمبر 2008

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s