ليل معدني – موسى غافل الشطري – العراق

مقطع من رواية ( ليل معدني) نوفيلا

صفحة 52

موسى غافل الشطري – العراق

كتبت عام 1996 و منعت من النشر من قبل الرقيب في دار الشؤون الثقافية آنذاك. ثم نقحت و طبعت الطبعة الاولى عام 2010

* * *

يوما بعد يوم يكلكل السأم ، والملل على العائلة ، وكان الابن الأصغر ، هو الحلقة الأضعف . فقد سئمَ هذا النمط الحياتي الرتيب، و المبرمج . و الخاضع للأوقات المقننة. بحيث جُبل، وكأنه يشاهد ألوانا متباينة متكررة بالساعات و الدقائق ، ويعرف محطات ، قرع عقاربها ، ويخضع باستمرار لمنهج يراد منه أن يؤدي تواصلا لهذا النمط الحياتي المرسوم ، الذي سئموه ، وأصبحوا بموجبه ضمن توقيت ملتزم بتعليمات مرسومة صارمة . ولم تعد تثيره العروض . لا يسعده شيء، بقدر ما يسعده .. رؤية ريشة زاهية الألوان بذيل ديك من زقاقه.

يحلم برؤية الحصان. ويحن حتى لروثه ، والبيت المتواضع جداً، والطيور بألوانها . وحتى ألوان الآجر ومجاري المياه الآسنة ، و حتى لسمع صرير الصراصر ، و هديل الحمام، وحمام الدوح والحشرات التــي تتجمع على ضيـاء المصابيح كأنها (فلاشات الكاميرات) كل ذلك له معنى في ذاكرته. أما هنا.. فلا معنى ولا إغراء لمخيلته . فيستلقي ليله مع دموعه ، وعلى وسادة واحدة ، وليس سوى الدموع .

ويجيز لذاكرته المرطبة بالدموع ، أن تُحلق حرة إلى هناك . أن تكون سفيرا ، تتأبط أشواقه ، لكي تنقل له ألوان ذيول الديوك ، وروائح الزقاق ، ومواء القطط ، ونباح الكلاب وأنفاس الحصان الرطبة ، وصوت أُم محمد وهي تتجادل مع زوجها . وفي الأمسيات المقمرة يتجمع أبناء المحلة ويذهبون إلى شاطئ النهير ، فيلوح لهم ماءه بخريره الهادئ ، والسكون الذي يشمل جوانبه ، وأحياناً يفزعون إلى الهرب عندما يسمعون أصوات بنات آوى وكأنها تريدُ أن تخيف المدينة.

ألآن هذه أيضاً تلاشت. كل الأشياء التي عاشرها (حسن) اختفت مع محنة جاسم . كم ابتلعت هذه المحنة من أشياء جميلة ؟ ألشيء الوحيد الذي لم يختف هو الخوف وصمت هذا المسكن، هذا الصمت الذي ما ألفته حياة طفولته إلاّ بعد المصيبة .. لا يكسر جداره هنا سوى الأناشيد الحماسية و صوت الانفجارات و أزيز الطائرات المغيرة وانفجار الصواريخ المعادية . وأصوات صرير سُرفات الدبابات . ومنبهات الإنذار . والتعليمات التي تطلقها مكبرات الصوت . و تراتيل القرآن في المآتم . و عدا ذلك هنا ليس سوى صمت القبور.

إنه يحس بالحصار. كم يحلم بزرقة سماء صافية ، تتناثر السحب الناصعة البياض على مداها الفيروزي. يسعده إطلالة قمر متكامل الاستدارة ، يلهو تحت بهائه باللعب مع أقرانه . بيد إنه الآن.. يُحلق مع الق النجوم. الباردة الحزينة ، ويهبط إلى دفء النواح . متشبثا بأطراف الليل، لكي لا ينجلي. فالليل حصانه الوحيد الذي يشعر فوق ظهره بامتلاكه حريته الكاملة. فهو حلقة الربط ، بدفق الاحلام ، الزاخرة بجمال وانس طفولته . وتلك الأشياء المألوفة التي تعوّد عليها ولم تؤذ عواطفه.

في الليالي القادمة يستقدم أحلاماً كثيرة . أحلاما في النهار و هو يلوذ في الزاوية المعتمة في هذا المسكن الموحش ، يستقدم أحلامه من مدينته الصغيرة . إنه يريد طائرة ورقية . يتمنى أن يكون هناك منزل يعتليه .أو كما يذهب خارج مدينته الصغيرة . ويختار أياماً فيها رياح مناسبة لتحليق طائرته . يبتعد بها عالياً . إنه يتمنى ــ كما يفعل سابقاً ــ أن يُحلق بها إلى بعد شاهق ، وكما يفعل مع أبناء محلته ، الذين طالما تخاصموا فيما بينهم : إذا اقتربت طائرة أحدهم مع طائرة غيره .

يريد له أصدقاء هنا يتنافسون معه . ولا هذه الشقق المتقاربة الجدران إلى حد الاختناق . وسيرون كيف يتفوق عليهم .غير أنه لم يعثر على صديق في هذه الشقة الكريهة .

هناك دنيا غير هذه . يريد.. أن يشاهد ذيل طائرته التي يحلم به يرتجف ، ويشاهدها كيف تستجيب لحركة يديه .

في الليل .. يربطها في أحد أعمدة سقف الغرفة. وعند الصباح الباكر : يراها كما لو كانت تستشرف مديات المدينة وتتجه يميناً ويساراً. يريد أن يكون هناك فناء شاسعاً يتسابق فيه مع أقرانه.

كم يود أن تكون الأمور تسير حسب هواه؟هو الذي يحركها.هو الذي يتحكم بوقته ، ومساحة أرض حركته.

يحلم أيضاً بسباحة النهير الذي يتجمع معه أقرانه الصغار ويتسابقون ويتزحلقون عراة .

يحلم .. أن يغطس كما كان يفعل مع أصدقائه . وكان أطولهم مكوثاً تحت سطح الماء . أو .. يلعبون كرة القدم . يحلم بالفرارات . يحلم بشعر البنات . لماذا لا يشاهد هذه الأشياء هنا ؟

يحلم في الليل .. ما أجمل أحلام الليل هناك . وما ألحَّ رغبته أن يسرع بوصوله إلى دياره هناك ؟ حيث يتجمعون ، و يلعبون ( الخِتّيلة)(6). و مرات يتراهنون : من الذي يعبر النهير في الظلام ويختفي هناك . ويذهبون للبحث عنه؟ كيف ــ ذات مرة ــ جاء دور الاختفاء لقرينهم عبّودي ليختفي خلف النهير وبين الأشجار . ثم خدعوه و أخذوا ملابسه وتركوه عارياً وحيداً هناك ؟ وعادوا خفية إلى ديارهم؟ كم أخافه ذلك بعد عدم عثوره عليهم و على ملابسه ، وظل يبكي وهو يركض عائداً إلى بيته . لكن ذلك لم يمر دون أن يشكو لأهله ثم يشكوهم عند أهلهم ويحصلون على العقاب المناسب .

أحياناً يفكر بزملائه في صفه المدرسي . ذات يوم سطا صديقه محسن على حديقة المدرسة . وكان هناك بقعة مزروعة بنبات (الرِشاد) . وقبل أن يبدأ الدوام المدرسي حمل معه رغيف خبز و بدأ يحوي من الرِشاد ويتغذى به مع خبزه. لكن أحد التلاميذ الذين شاهدوه وشى به للمدير وفي ساحة الاصطفاف استدعي محسن أمام جميع التلاميذ المصطفين ، وسأله المدير عن ذلك لكنه أنكر .

فقال المدير :

ــ افتح فمك وأُخرج لسانك . فبدا اخضرار الرِشاد واضحاً على لسانه . وتجول المدير به بين التلاميذ وهو يمد لسانه ويبكي. وأخيراً ضربه ضرباً مبرحاً . قال له المدير:

ــ هل تعاود ذلك مرة ثانية ؟

فقال :

ــ كلا أستاذ .

قال المدير :

ــ أتقسم على ذلك؟

قال:

ــ نعم سيدي .

كلما تذكر حسن ذلك وهو على رحلته في الصف يستغرق بالضحك . حينها انتبه له المعلم و سأله :

ـ ما الذي يضحكك ؟

ولم يقل (حسن) شيئاً فأشبعه المعلم صفعاً .

كم كانت تلك الذكريات جميلة ؟ ما الذي يؤنسه هنا؟ بالتأكيد إن زملاءه مستمرون على الدوام . أما هو فليس أمامه سوى أن يصبح و يمسي و ليس بصحبته سوى الجدران و محنة أخيه. كم هو حزين من انقطاعه عن تلك الحياة . واستمر يبكي بصــــــــمت: لماذا أنا هنا؟

انه مغترب هنا ، وحيد. فهذا النمط الحياتي ، يتعب حتى الرجال. ليته يعبّر عن لهفته هذه، أمام أمه ليت الأمور.. لم تفصله بهذه القسوة. وليتهم.. بلا محنه جاسم، التي أدخلته في حلكة هذا الليل الطويل . كان يمقت.. ما آل إليه أخوه من حال .

***

وكأن الأم قد استيقظت لتدرك أن محنة جاسم قد طوّقتها بالوهم الذي اسلمت قيادها إليه : بأن هناك قَدَراً يستحق أن تستكين أليه ويحلق بالعائلة إلى فضاءات توجع ضمائر أهل الحظ و البخت . فقد حَمّلوا هـــــــذا الوهم على كتفيها ، لكي تستكين إلى القناعة بما تبادر إلى ذهنها: إنها عائلة مهمة. وإن العالم الذي مثلته وكالات الأنباء و تابعت محنتها مشغول بنكبتها . وإنها نسيت أي شاغل يحيد بها إلى تفكير آخر . فتراءى لها ولدها جاسم وقد أنيط به دور عظيم أفرزته قضيته . وأخفت إحساسها بمصابه . لكن الأيام التي تمضي ، باتت وكأنها تبتلع عظم المفاجأة . وإن هذه المأساة قد سئمها الآخرون وبهتت. وصارت لا تطرأ على بال . إلا في أوقات متباعدة. وكيف يؤول مصيرها إلى نهاية لا تشغل أحدا ؟ بل وسمعت ذات يوم من يقول بالتلفاز (أن هذه القضية ،أمست صناعة كاسدةً). وبهذا انفتحت فجوة كبيرة في قلبها: بأن القضية برمّتها ،والعائلة ومحنتها أمست صناعة كاسدةً و ستمضي بهم إلي عالم النسيان.

وليتها لفّها النسيان ، لكي يكون بوسعها أن تمتلك حرية اتخاذ القرار الملائم وتبتعد عما هي فيه . فقد نضبت طاقة خضوعها إلى هذه الالتزامات تجاه مراسيم ، فوجئت بأن تجنح لها . وكانت تراقب ولدها البائس والذي ازداد ميله إلى الانزواء .

بقيت العائلة على تواصل ضمن مسيرة هذا الضياع . وليس ثمة ما يستدعي أو يغري على متابعة وجوده سوى ذلك. واكتشفت الأم بحدود ما يفسره عقلها : إن كل ما جرى من اهتمام ، قد أستهلك المأساة بما يكفي . وقد تمّ نزع طلائها و تركها في وضعها الحقيقي : بأن الموضوع ليس إلاّ نتاج لأسوأ حالة لم تجلب سوى الصداع للعائلة . بل أن ما أنتجته حالة ابنها هو ؛ استلابها من حياتها الاعتيادية تلك البسيطة الهنيئة، حياة مليئة بالألفة. جار يسأل عن جار . إذا غاب أحدهم شغل مكانه الجار الثاني لحراسة العائلة . كم كانت مقتنعة ومسرورة بما كانت عليه وما تتطور نحوه . وما تجني من ثماره الحلوة الطيبة ؟ حيث كانت تراقب آنذاك، كيف ينمو ولدُها ، ويكثر عطاؤه . وهي تتذوق بسعادة ما يكسبه من جهده. وتُمَني نفسها أن يصدق ما منّاها به فَتاح الفأل .وفجأة وجدت نفسها تُستلب من خيرها ذاك ، وتُقحم في كابوس هذه الدوّامة الغريبة العجيبة ، التي لا تفهم أبعادها . ولا لماذا حتم عليها ان تصبح منقادة رغم أنفها لتمارس هذا النمط من الحشو للسعادة التي ما أحست باستساغة مذاقها وعشرتها. كل ما رافقها من عطاء.. إنما يثير الرفض والغثيان في نفسها ، وعدم استساغته وتقبله . بل وتوصل إدراكها المحدود بكونها سلعة كاسدة لا تباع و لا تشترى . وإن العروض التي ضايقتها سابقاً اختفت ، لأن عرض مفاجآت الأحداث كثرت و باخت .

تلك هي الخسارة الموجعة التي جعلت الأم تبكي نهارها وليلها . لو كانت قد استيقظت من ذهول طويل لتُصدع بالمأساة على سعتها وتتعرف عن كثب : بأن العائلة هي الضائعة الوحيدة بالكامل ، منذ أول يوم الفاجعة . كما فوجئت بإحساس : إنها ابتعدت كثيرا عن دارها و أناسها في زقاقها.

عبثا حاولت أن تتعرف على ما يدور هناك في أذهان أناسها . كيف هم يفكرون ؟ كيف يفهمون حياتها الجديدة التي شغلتها بامتياز ، والتي حوّلت وظيفتها من امرأة تقول الشعر وتندب الموتى ، إلى تواجد جرى تعليقه في هذه الحجرة العلوية كأنها مشنوقة متدلية من مشنقة. هل يتصورون أنها ربحت؟ هل يتصورون بأن إطلالتها على التلفاز قد أسعدها و إنها ربحت ما لم تحلم به أمٌ أخرى ؟ هل يتصورن بنات الزقاق : إنها قد ارتفع شأنُها بهذه الحياة ؟

كانت هناك لا تعرف ليلها من نهارها ؟ كم كان مجلسها كبير بين الحبائب هناك؟ كم كانت غارقة بالسمر و الحكايات الجميلة ؟ كما افتقدت هنا من أشياء مألوفة لديها هناك؟

بالمجمل : هي تكاد أن تقترب من فهم : بأنها لم تخسر ولدَها فحسب ، بل و خسرت كل حياتها . وانكمشت كل تطلعاتها. إن ما تمر به ، حسب ما يفسره المنطق و ليس هي ، هو لم يخلق من أجل العائلة ، بل العائلة خُلقت من أجله .

* * *

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s