في ضيافتها – أسماء القرقني – ليبيا

في ضيافتها ..

عند دخولي إلى صالة الإنتظار في إحدى العيادات كان الحديث بين النسوة الجالسات محتدما، والنقاش على اشده حتى تبدو اصواتهن وكأنها خلية نحل يتكلمن في وقت واحد ولا احد يسمع .. كان واضحا ان السيدة التي تجلس في المقعد المقابل للمقعد الذي اخترته لجلوسي هي المسيطرة على الحديث والممسكة بأطرافه …كانت تبلغ حوالي الخامسة والخمسين من عمرها لها عيون حادة كالصقر لا تفوتها كبيرة ولا صغيرة……تتفحص الجميع وتطلق احكامها وانتقاداتها بجرأة ودون حرج ….وتتكلم وكأنها صاحبة المكان والجميع في ضيافتها…..عند جلوسي في مواجهتها نظرت لي نظرة فاحصة ثم واصلت إشادتها بأحدى السيدات التي اعطت دورها في الدخول لطفل صغير كان يبكي ويتلوى من الألم ولم تفلح امه في اسكاته ومحاولة إقناعه بالصبر لحين مجئ دوره في الدخول

نظرت لي فجأة بعجب وقالت بشك..

*..( انت مريضة؟…)

. لملمت نفسي التي بعثرها سؤالها المفاجئ والغريب…..لو لم أكن اشكو شيئا لما جلست في هذا المكان فهو ليس للنزهة وتبادل الاحاديث بالتأكيد….قلت بصوت منخفض دون رغبة في مشاركة الحديث الذي اتجنبه عادة في الأماكن العامة بسبب طبيعتي الهادئة والخجولة:

*..(…طبعا…)

….وعاجلتني بسؤال آخر..(.امنيش تشكي؟…)…فلم تشف فضولها كلمة طبعا..بل ربما استفزتها وجعلتها تشعر إنني لا ارغب الحديث وتقديم ملخص لحياتي وتاريخ مرضي وهذا شئ مرفوض تماما في قاموس امثالها

قلت بصوت تبدو في نبراته عدم رضاي عن تحقيقها معي هذه المرة….(.عندي الم في ظهري .)…قالت بأستخفاف (لا ساهل موضوعك.. نا على اثر عظامي اللي يساطرن الضغط دايرها في.. جاية للدكتور نبي انعدله)…..وعرفت انها تنتظر دكتور الباطنة وليس طبيب العظام الذي انتظره انا….سكتت قليلا ثم قالت بحسرة..(..الشعب الليبي بخته عطيب…من قبل حايس فينا الضغط والسكر والجلطة وتوا قصة نقص فيتامين دال وكورونا اخرى) …..ردت عليها إحداهن وهي كانت اكثرهن مشاركة ومنافسة لها في الكلام ….(..مش منهم….من سوء التغذية..حتى الحليب والجبنة شيطوا نارهن وحرموا العرب منهن.)…ردت الاولى والتي عرفت ان اسمها سدينة من الحاضرات اللاتي كن يعاملنها وكأنها بطلة الحلقة بصوت مرتفع وكأنها تعلن شئ مهم ويجب ان نقتنع به دون تردد..(..الله يرحمك يامعمر)……وارتفعت اصوات اغلبهن بالترحم عليه عدا قلة قليلة ومنهن انا دون أي قصد مني……لم اعلم انها منتبهة لي وسط ذلك الضجيج ان كنت ترحمت ام لم اترحم…….نظرت نظرة عدم رضا وكان واضحا إنها لم تغفر لي عدم انخراطي في الحديث معها و لم تتسامح مع اصراري على الصمت وعدم الإنبهار بحكمتها والتأمين والموافقة على كل كلمة تقولها….

وقالت بوقار وكأنها حكيمة زمانها…(. الميت لا تجوز عليه الا الرخمة…..المفروض ان نترحم عليه في كل وقت) …..وعادت إلى مدح تصرف تلك المرأة قائلة بأعجاب وعيونها تلمع…..(.نشهد بالله أعجبتني اللي بدري عطت دورها للعيل الصغير….ياريت كلها زيها…..هذين الاخلاق ولا بلاش)….ونظرت لي وقالت( ياريت تعطي دورك لجارتي اللي جنبك والله واصلة حدها ويعلم ربي بحالها .)…..استفزني طلبها وإحراجها لي امام الجميع فالسيدة التي طلبت مني ان اتنازل لها عن دوري كانت بحالة جيدة ولا تحتاج دخول مستعجل إلا إنني نزلت عند طلبها …فربما كانت المرأة لا تحتمل الإنتظار بالفعل… هذا تفكيري بعد ان هدأت ثورتي طبعا لأنني كنت في البداية اغلى كبركان غضبا من إصرارها على معاملتي وكأني في بيتها تأمر فأطيع وتطلب فألبي…..بعد بضع دقائق وانا مازلت أنتظر تلك السيدة التي تنازلت لها عن دوري……نادت عليها الممرضة لأن دورها في الدخول الى الطبيب قد حان وقبل دخولها بلحظات جاءت حالة مستعجلة الى غرفة الإنتظار….إمرأة كبيرة في العمر تجلس على كرسي متحرك مغمضة العينين ،تأن بصوت مكتوم ، ووجهها المتغضن ، تزداد طياته ترهلا وشقوقه وضوحا من شدة ماتشعر به …….نظرت الممرضة الى سدينة برجاء واستأذنتها في دخول الحالة قبلها الا إنها قاطعتها قائلة( لا ياماما من بدري ونا نرجى…. سدينة عند اسمي، سااااااادني وانا ديمة مضحوك علي ) ….نظرت اليها بدهشة…لست انا فقط بل بقية الحاضرات اللاتي تفاجئن بسقوط بطلتهن المدوي وهي تدخل بسرعة الى غرفة الطبيب بغضب وتقفل الباب ورائها بعنف وقلت في نفسي بقهر وأنا مازلت أنتظر دوري الضائع

.(…والله ما مضحوك علي إلا انا)

أسماء القرقني – ليبيا

Asma

One comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s