نظرات في أزمة الحضارة الغربية (ثلاثة أجزاء) – محمد أحمد الحمري – ليبيا

نظرات في أزمة الحضارة الغربية (ثلاثة أجزاء)

الجزء الأول:

( نشر بجريدة العرب \بتاريخ26\3\1993م)

من جانب حقوق الانسان

نشأت حقوق الانسان اول ما نشأت في الدول الاوربية كشعار يثور على الظلم والطغيان الذي كان رابضا في القمة عند البابا ..،الامير.، الاقطاع..، في مواجهة الطبقة الدنيا المتمثلة في عبيد الارض( المنبوذين ) صغار العمال، الجنود المأجورين.

فالشعار افرزته المتناقضات الداخلية الصارخة، اذ كان الصراع يتأجج من خلال الواقع المحلي، محاولا التعبير عنه وتجاوزه الى تحقيق الذات الحرة والغاية الطموحة في بناء نموذجها الحضاري.

ويمكن القول بأن النضال من اجل تحقيق شعار حقوق الانسان في المناخ الاوربي وصل الى غايته، ضمن سياقه التاريخي الخاص به من خلال التحولات الاجتماعية ،حيث استطاع ان يزيل التناقض بين مفهوم السيد –العبد ، وحوَّل هذه الاطروحة التي شكلت نمطا سلوكيا عبر التاريخ الاوربي الى مركب جديد يُمذْهبْ، ويُمدْرِسْ ،ويُدوِّلْ نتائج هذا النضال .

كيف لا ؟ وقد اصبح العبد بعد ان كان شيئا من مجموع الاشياء التي بحوزة السيد، اصبح الان يُدَّعى ” بالمواطن ” ثم بعد مدة يصبح العامل والفلاح الروسي في مجلس السوفييت الأعلى يُنعتون بالرفاق ، غير انه في اقل من نصف قرن يتحول الرفاق ليؤكِّدوا من جديد على حق المواطنة في حضن الأم الاصل ،وابتهاجا بذلك يشعلون الكنائس ويرفعون شعار الملكية الخاصة كحق مقدس، لا يجوز المساس به مثلما أكدته وثيقة حقوق الانسان الفرنسية ، ويمكن لنا من خلال هذه المقدمة ومن اجل الدخول في الموضوع ان نشير الى:

ان النقيض يتجاوز القضية، لكن هل يحمل بعضا من مخلفاتها على الاقل في اللاشعور، وعَلَّ في هذا السؤال شيئا من السَّذاجة ،لكن يمكن القول من ناحية اخرى أن عملية الرد للدفع، عملية ميكانيكية فكيف لا تكون ايضا جدلية في نطاق الاجتماع ،كما انه من ناحية اخرى ان النقد ذاته سواء تعلق بالقضية او نقيضها هو عملية رَدٍ ماضياوية ودفع للمستقبل في آن.

حقوق الانسان ، اسناد مرجعي :

الانسانية في نظر اليونان القدماء مقسمة الى قسمين او قل بالأحرى الى فصيلتين : فصيلة زودتها الالهة بالعقل والارادة ،لتكون سيدة على سائر الخلق ، واخرى زودتها الالهة بقوى الجسم وهؤلاء هم ” البرابرة “،

والواجب الملقى على عاتق السادة هو العمل بشتى الوسائل لإرجاع فصيلة البرابرة الى المكانة التي خلقوا من اجلها وهي مكانة الرقيق 1، وعلى ذلك فالرقيق لا حق له ولا مكان له في ساحة الديموقراطية ، لا بالمشاركة في الرأي، او التصويت، او الاستفتاء، فكيف يمكن للأشياء ان تُعَقْلن نفسها ..ومن هنا يصبح تعريف الحرب كما يقنِّنه افلاطون هي تلك التي تنشب بين السادة و” البرابرة “.

فالنّظر للإنسانية بهذا التّصور ، يعدم ألنّزعة ألإنسانية ليس في مواجهة البرابرة فحسب بل فيما بين ألسّادة أنفسهم ، كما يطرح “مفهوما ” ذهنيّا يحدّد روابط العلاقات بين الشعوب ،ويسري كنمط سلوك في داخل شبكة العلاقات ألاجتماعية على المستوى المحلّي ،لمجتمع ينزع نحو الديموقراطية من أجل غاية تحقيق ألنموذج ألمدني ..

والمفهوم هو قيمة تاريخية تظهر من افرازات ألأيدلوجية السّائدة ، أي من ذلك النّسق من ألأراء، وألأفكار ، والتّصوّرات ،ألتي تميل الى الثّبات النّسبي ، وتلعب ألتفسير الدّائم في علاقة ألإنسان مع ألطّبيعة والمجتمع والعالم ، فالأيدلوجية في جوهرها تشكّل عقيدة تتضمّن ألأهداف \ والغايات ..

لذلك بقيت ألأطروحة اليونانية في نزعتها الإنسانية كما هي عليه حتى في العهد الروماني ،فقد كان الأجانب في الإمبراطورية الرومانية يعتبرون في منزلة الرّقيق واستمرّ الحال كذلك حتى في الفترة التي أخذت فيها الامبراطورية في التوسّع ،والتي على أثرها صدر ما سمي ” بقانون الشعوب “بهدف تنظيم علاقات أو قل معاملات الأجانب مع الرومان ،ومع بعضهم البعض ،والذي سرعان ما ألغاه الامبراطور ” انطونيوس كاراكلاّ “، وأحال مواده الى القانون المدني الروماني ليصبح بالتّالي قانونا رومانيا خاصّا ، ومن ثمّ انتفت عنه النزعة الانسانية التي حملها التعريف باديء الامر “3”

كما بقت طبقات المجتمع كما هي عليه سادة \ عبيد ، وبما أن الشيء لا يُعقلن نفسه ..فأنه لا يحق للعبد ان يتعلّم ، لأن في تعليمه تكون جريمة الإساءة لسيّده ..، ليس هذا فحسب بل أنّ الشيء لا يملك ذوقه ، فلا يحقّ للعبد ان يستمتع بالليلة الأولى في زواجه ،فهو وما يملك يدخلان في حيّز الملكية للسيّد ….

ومع مرور الزمن بدأت الهوّة تتسع بين الطبقات الحاكمة والمحكومة ، وبدأت الامبراطورية تأخذ نحو مؤشر الانحلال والانقسام الى دويلات صغيرة ، وقد كانت هذه المؤشّرات تظهر في الفئات الجديدة المعارضة لسلطة البابا \ وسلطة الامير \ وسادة الأقطاع ،وهي فئات من السّماسرة ، والحرفيين ، والتجار ،الذين اختاروا لتجارتهم امكنة بعيدة عن مراكز النّفوذ ومع مرور الزمن شكّلت هذه الفئات ترابطا عضويّا واسّست أسواقا جديدة ـ تحوّلت فيما بعد الى “مدن” ذاع صيتها التجاري والمهني ، واصبح اهالي هذه المدن الجديدة ينعتون بأبناء المدن تمييزا لهم عن عبيد الأرض. وكان الامر طبيعيا والحالة هذه ،ان تخشى السلطة على مصالحها، فاضطرّت بحكم الواقع ان تعترف الكنيسة بهذه المدن ككيانات قانونية ذاتية الى جانب السلطة البابوية” 4″ ،هذا الاعتراف القانوني أدّى بدوره الى ترابط المصالح فيما بين السلطة الحاكمة والطبقة التجارية الجديدة ، ولعلّ من نتائج هذه العلاقات هي تلك الاتفاقات التي ابرمتها الكنيسة مع بعض المدن في بداية نشؤ هذه الظاهرة ، والتي تعلّقت بالبحث عن سبل التجارة الخارجية ،شريطة ان تقسّم الكنوز البريّة والبحرية وخيرات الامم بالنصف ….

( نشر بجريدة العرب \بتاريخ26\3\1993م)

يتبع الجزء الثاني

نظرات في ازمة الحضارة الغربية

الجزء الثاني:

وهكذا بدأ التوجّه نحو ” فلسطين “عام 1095م1201م ، ودائما كان الغزو الخارجي يقوم على حساب عبيد الارض وصغار العمال والمنبوذين وهذا ما يوضّحه خطاب البابا ” اوربان الثاني “عام 1095م الذي وقف يخطب في مجمع ” كلير مونت “الكنسي بفرنسا قائلا “ايها الجنود المسيحيون اذهبوا وخلصوا البلاد المقدسة من ايدي الكفار المسلمين اذهبوا واغسلوا ايديكم بدماء اولئك المسلمين الكفار …فبالأمس كنتم سرّاقا واليوم ها أنتم جنود فضيلة “… ولكن مع ذلك وبمرور الزمن والتحولات الاجتماعية فيه حين شعر هؤلاء الجنود والعبيد بالاضطهاد الصارخ ما كان عليهم الاّ ان يوقدوا ثورتهم الاولى عام 1513م، والثانية\1525م ،ويطالبوا فيها بحقوق طبيعية ، وان تجري عدالة السّماء على الارض ، لكن الكنيسة اعتبرت أن ذلك خروجا عن القانون “6” ،الحالة التي تجعل فيما بعد ” مارثن لوثر ” يعلن ثورته ضدّ الكنيسة منذعام 1517م

*موقف جديد لمفهوم الانسان والحرب:

انتشار التجارة، وشيوع الحرف والمهن الجديدة، وتحول النظام الاقطاعي الى برجوازي تجاري .أدى الى ظهور دول مستقلة عن بعضها البعض منذ 1493م، وهنا اصبح مع ذلك للكنيسة اختصاصا جديدا ، وهو اصدار البراءات التي تتعلق بتعيين الامراء وتقسيم العالم، كالبراءة الصادرة عام1493م ،والتي بموجبها قسم الاسكندر السادس العالم الى قسمين قسم للبرتغال وآخر للأسبان”7″.

وحين نزل الاسبان في امريكا اللاتينية وعاثوا فيها فسادا بجرائم حرب يتقزز منها الضمير الانساني، فظهر في هذه الآونة الراهب والفيلسوف الاسباني ” فرانسوا دي فيتوريا “معترضا على ما يفعله الاسبان من وحشية بحق الهنود، وحركه ضميره المسيحي كي يجد مبررا ما لهذه الحرب مع الاعتراف بحق الحياة للهنود فذكر قائلا :”يكفي ان يكون الهنود بشرا مثلنا، حتى ولو كانوا كفارا أو برابرة وثنيين كي تكون حقوقهم مصونة” “8” و هنا نرى نزعة انسانية جديدة ، وهي الاعتراف بأن البرابرة هم في نهاية الامر بشر من حيث النوع الانساني ،سواء كانوا كفارا أو مؤمنين . والسؤال ماهي خلفية هذه النزعة الجديدة هل هي دينية أم تاريخية اقتصادية ؟فمن أنها دينية فلا يغيب علينا بأن فيتوريا راهب اسباني يقع على عاتقه واجب التبشير بالإنجيل ،وأن اعترافه الصريح بأن للهنود حقوقا كعامة البشر بغض النظر عن كونهم عبيدا او مؤمنين ،يجد مرجعيته في ان تفوق الاوربي على غيره هو بإدراكه أن لهذا الغير حقوق ،وعلَّ هذا ما ينص عليه مقطع من التوراة الذي يشير “لنضع الانسان على صورتنا ومثالنا لكي يسيطر على سمك البحر ” ،لكن الملاحظة هنا تبين لنا أن من يقتصر عليه الادراك والفهم بأن لغيره من الناس بعض الحقوق ،هو في الوقت نفسه ،يستخف بإرادة البشر في معرفتها لحقوقها بنفسها، وبالتالي تراه ينظر للآخرين بأنهم جماعات قاصرة تظل دائما في حاجة للحماية، والوصاية ،والانتداب ..فهذا التصور اذا لا يختلف بتاتا عن التصور اليوناني الذي رأى ان سيادة العقل اليوناني تقع على عاتقه مسؤولية ارجاع البرابرة الى المكانة التي خلقوا لها فقط باستثناء واحد وهو ان فيتوريا مسحه بمسحة دينية لاهوتية .

اما من حيث ان نزعة فيتوريا الانسانية تنطوي على رغبة اقتصادية يتضح لنا ذلك حين نراه يؤسس هذه النزعة على مفهوم حق التواصل والاجتماع البشري كظاهرة طبيعية لا يمكن للدولة الحديثة ان تمنعها. هذا صحيح ،لكن تأسيس الحق من خلال ظاهرة التواصل والاجتماع الانساني أقامه فيتوريا تحديدا في المجال الاقتصادي اذ يقول :” ان من حق الاسبان الذهاب الى الهنود، كي يأتوهم بالسلع التي تنقصهم ويرجعوا بالذهب والفضة والخيرات الكثيرة التي لديهم وان البرابرة يرتكبون بحق الاسبان ظلما حين يمنعونهم من التمتع بحقوق البشر ،ولهذا يحق للإسبان ان يشنوا حربا اذا لزم الامر “9”

ماذا يعني ذلك يا ترى ؟غير تقديم المبررات التي تساعد على ازاحة ونسف الحواجز التي تعرقل التجارة ، والانفتاح الاقتصادي، وهي الحجة نفسها التي سيستعين بها “كروسيوس الهولندي ” في مسألة قانون البحار، كي يجد منفذا للاسطول الهولندي أنذاك .فقد اعتبر ان البحار تراث مشترك للإنسانية لا يجوز لأحد ان يمنع حرية الملاحة فيها. وهكذا يدخل مفهوم القانون الطبيعي، كمفهوم التراث المشترك، وحق التواصل والاجتماع المشترك البشري ومفهوم العدالة الطبيعية في كون البشر وحدة واحدة من حيث النوع ، الى حيز القانون الوضعي كي يتما معا تقسيم العمل الدولي بشكل دقيق من اجل المصالح الذاتية للتوسع الاستعماري على المستوى الاخلاقي، الاقتصادي ،الجغرافي ، وبالتالي يصبح مفهوم الحرب ليس كما حدده افلاطون بل يبلل بصبغة اخلاقية فيسمى ،”بالحرب العادلة “.

*العقد الاجتماعي

منذ القرن الخامس عشر ميلادي بدأت مسألة الحريات العامة وحقوق الانسان ،تحتدم في الحوار الدائر بين فلاسفة أوربا ومفكريها، كهوبز \ ولوك\ وروسو\ ،وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين ،وقد نظر للإشكالية انذاك ،تحت مفهوم ما سمي< بالعقد الاجتماعي >، وانطلق الحوار من تعريف أثاره الاجداد اليونان، وهو ان الانسان حيوان ناطق \ حيوان اجتماعي \حيوان سياسي \حيوان جائع على حدّ تعبير ارسطو “ان الانسان يفكر بمعدته” ،وكأن في جميع هذه الحالات صفة التكريم بالفضيلة والمسؤولية لا تستحق ان تكون صفة جوهرية للإنسان، فاذا كانت البداية في الجدل الدائر حول الحريات العامّة وعلاقة الحاكم بالمحكوم هذا هو منطلقها الغريزي، فانه بداهة يصبح دخول الفرد في النظام الاجتماعي ـ السياسي، واقفا عل شرط تحقيق الرغبة في أكبر قدر من< المنفعة المادية > ، كما انه ومن ناحية اخرى يقرّ ويعترف ويؤكّد على <الفردانية >،التي هي الاستقلال والانفصال الذاتي لكل فرد من الافراد ، ذلك لأن الفرد في الاصل حرّ حريّة خالصة ،لا تقبل التقييد من اي كان، الاّ ان دخوله مع الجماعة في النظام الاجتماعي جاء فقط من اجل تبادل المنافع الضرورية للحياة ،وهذا يتطلب منه ان يتنازل عن جزء من حريّته لصالح الشخصية المعنوية ـ الجماعة، وذلك من اجل المحافظة على النفس والمال والامن .

والملاحظة هنا هي : ان التنازل عن جزء من الحرية يعـدّ في الوقت نفسه قيدا ومصادرة للحرية التي هي في الاصل خالصة ،غير ان هذا القيد وهذه المصادرة هي شرط لتأهيل الفرد وترويضه لكي يتكيّف مع الجماعة ،ومع ذلك كله يعود كل فرد داخل الجماعة عنصرا انكاريا لحرية الآخرين ،والاّ لما توصّلوا لتأسيس نظام اجتماعي ،التي تنص قاعدته الاساسية على التنازل عن جزء من الحرية.

والملاحظة الثانية: هي ان الجزء الانكاري من الحرية ستظل له اهمية خاصة كإذكاء المنافسة الاقتصادية وغيرها ،سواء أكانت هذه المنافسة مشروعة او غير مشروعة ،طالما أن هذه الاخيرة لم يكتشفها القانون الداخلي ،امّا على صعيد العلاقات الخارجية ، خارج الاقليم المحلي ،فان الامر متروك للمغامرة وكشف المجهول بجميع الطرق، وعلّه يمكن القول ايضا ان الجزء الانكاري من الحرية يظل الى جانب المنافسة على حالة من <الخوف > حيث ينبه باستمرار الى الخوف من المستقبل ،وبما ان المستقبل ينظر اليه من خلال الحاجة والتبادل والمنفعة فان الخوف والحالة هذه يذكّي المنافسة بشتى الطرق وهكذا ينشطر النظام الاجتماعي الى قسمين: قسم الاثرياء والسماسرة والعملاء الذين يجرفهم الخوف الى صناعة قنابل نووية وارتكاب جرائم ضد الانسانية ،، وقسم اّخر تتلقفه الارصفة ويد العون من المساعدات الاجتماعية الخيرية ، ومراكز الاستشارات والتوجيه التي لا تستطيع في النهاية ان تنقذ اسس النظام الحاكم فتلجأ الى المطالبة بتحسين الوضع الاجتماعي وايهام العامة بمستقبل < زاهر > ومن هنا يدخل الخطاب الديمقراطي لحقوق الانسان ليمكّن النظام السياسي من الحياة والاستمرارية على حساب الاغلبية المنبوذة ليس على الصعيد الاقليمي فقط بل ايضا على المستوى الدولي. وليس في الامر غرابة طالما العقد الاجتماعي اساسه الحاجة والمنفعة والمتعة والمنافسة ، اما فكرة الاخلاق فهي غير واضحة المعالم بالنظر الى تعاليم الكنيسة نجد ان الانسان في الاصل مجبول على ارتكاب الاثم والعدوان ، وليس له ان يتبرأ من ذلك الا عن طريق الرهبنة ،فيصبح من المنطقي ان لا يتطرق في مقدرتها أن تحل مشكلة تمس بكيان الانسان الاقتصادي.

والملاحظة هنا ، انه حينما تحال الاخلاق، الى الترهب والانقطاع ، عن الحياة العامة وسط تشابك العلاقات فانه يسود بين الناس شعور بالميل الى الحروب كنزعة نفسية تؤكد نفسها ،حين ترى الفوارق الشاسعة بين من يدعون الاخلاق وحلفائهم ،وبين بقية الطلبات المسحوقة ،وبالتالي تصبح ،النزعة للحرب على المستوى النفسي حالة رهبانية واقعية ، وكأنها كنيسة جديدة تجري في الحياة وليست منقطعة عنها ، وليس هناك اخطر من هذا الدمار الانساني.

ولنقف الان امام المباديء الاخلاقية التي تحققت من خلال تحولات نظرية العقد الاجتماعي، عبر مراحل تاريخه لنقف متسائلين ،كيف تحولت الثورة الفرنسية التي اصدرت وثيقة حقوق الانسان ، في اقل من نصف قرن عن اعلانها لهذه الحقوق الى اشرس استعمار في افريقيا واسيا >

وكيف يمكن تفسير الهجرات البروتستانية وغيرها من قراء الكتاب المقدس واصحاب الاخلاق الفاضلة ،الذين سارعوا الى امريكا القارة الجديدة ، وارادوا ان يؤسسوا فيها دولة الاخلاق والدين والتمدين والحضارة ، حين نراهم من عام 1670\1891م،قد محقوا الهنود محقا يكاد يكون كليا ، وفي عام 1865\1861م قضوا على اكثر من نصف مليون من العبيد ،ومع ذلك يصرح رئيس الولايات المتحدة عام 1899م ” بأن الوحي الالهي قاده الى ضم الفلبين الى امريكا ، وفي عام 1945م وبعد تفجير القنبلة الذرية على اليابان يكتب ” هنري لوس ” احد كبار الناشرين قائلا “” على الشعب الامريكي الان ان يتحمل المسؤولية في النظام الدولي الجديد حيث سيعم السلام بقوة القانون ..الذي سيؤدي الى التوسع الاقتصادي في اطار الديموقراطية ” “10 “\أليست هي النغمة نفسها التي نسمعها اليوم ،قوة القانون حقوق الانسان ،الديموقراطية ، الانفتاح ،وهذه النغمة ليست جديدة اليوم لكنها بعيدة المدى في ظلام الباطن التاريخي فقد كانت حلما للجالسين حول المدفأة وحديثهم يغذِّيه ذلك الطموح في اكتشاف ثروات الامم من الذهب والفضة في البيرو وفلسطين “11”.

ومنذ ان استقرت الولايات المتحدة بعد الحرب الاهلية، وهيمنت بعدها على امريكا اللاتينية، كان ” غوردون بنيت ” في صحيفة نيويورك هيرالد يحرض قائلا : لابد من أن تكتسح اسلحتنا نصف الكرة الارضية من الاراضي المعزولة في الشمال حتى مناطق الجنوب الخصبة الباسمة ..12.

فمن الطبيعي والحالة هذه ، أن تكون المصالح الذاتية للحضارة الاوربية مرتبطة بجنون النزعة الدائمة للحرب لا على اساس ان الحرب عمل اجرامي بحق الشعوب الضعيفة .بل الاخطر من ذلك على اساس انه مبدأ اخلاقي حين يتم باسم الدفاع عن حرية الشعوب تحت عنوان التأهيل والترويض والحماية من اجل التمدين. وفي هذا الصدد يصرح ” كندي “عام 1960م،قائلا :تصوروا ماذا كان سيحل بالعالم لولا الولايات المتحدة 13

ثمة شعور بالافتراس ،تراكم عبر مراحل تاريخية عديدة وسط قساوة البيئة الثلجية التي شجعت فكرة التخزين من حطب المدفأة الى اواني البيت ومقتنياته الاولية ووسط قساوة الامراء ، الاقطاع والرهبنة المسيحية، هذه العوامل وغيرها ،ساهمت في تأسيس فلسفة مادية مجردة، تعترف فقط بكل ما هو ملموس ومكشوف ،مشاهد وقابل للتحليل والفائدة من اجل ارواء الحاجة والمتعة .فكل ما يشبع الحاجة يكون جميلا ومن ثم يكون اخلاقيا .

من هنا يصبح المجهول في العلاقة بين الطبيعة والانسان هو ذلك الشيء الموجود لكنه لم يخضع للدراسة بعد ، اما المجهول في العلاقة بين الانسان والانسان هي تلك المساحة التي يجب ان تخضع للمعرفة الظاهراتية ،بمعنى تحديد ومعرفة ما عندك من افكار واشياء بارزة ظاهرة للعيان ،حتى تكون موضوعا للعلاقة ،وبدونها تصبح العلاقة وهما من الاوهام ،وليس غريبا اذن ان نرى الرحالة الاجانب والفنانين منذ اوائل القرن التاسع عشر وهم يجوبون افريقيا واسيا، يرسلون الى دولهم وصفا دقيقا لظاهر المدن وما تكتنزه من خيرات وجمال . ويصفون ظاهر السلوك العام للمجتمعات من عادات وتقاليد وفنون ،وهكذا كان الغرب دائما ينظر الى الاخرة نظرة عسكرية ، ولم يكن مفهوم حقوق الانسان سوى مظهر من مظاهر الحماية للمصالح القومية التي اكدت على ان مصالحها حقائق ثابتة ومطلقة لا يمكن التنازل عنها ، وان تضاربت مع مصالح الامم الاخرى فلا مناص من الحرب او المفاوضة بالإكراه ، افلا يعتبر هذا الهوس بالحرب امتدادا رمزيا للمخاوف الداخلية في ظلام الباطن التاريخي الذي لم تفك رموزه بعد .

وهكذا رأينا ان مفهوم حق تقرير المصير المتعلق مباشرة بحقوق الانسان ، يوم ان اعلنه ” ويلسون ” سنة 1919م واعتبره مبدأ ملزما للعلاقات الدولية ،لم يطبق على الجزائر ، واستفادت منه بولونيا التي كان وضعها شبيها بالجزائر 14.، بل ان القصد من ورائه كان يهدف الى اقتسام الامبراطورية العثمانية.

وما ان انتهت الحرب العالمية الثانية ، وظهرت على اثرها منظمة الامم المتحدة حتى تحول العالم تحت رعاية مجلس البابوات الجديد المدعو بمجلس الامن الدولي. ولم يكن هناك معنى لحقوق الانسان في الميثاق الا تحت معنى الوصاية \ الانتداب\ الحماية ، وكأن شعوب لعالم التي ساهمت في الحضارة البشرية ما زالت قاصرة ،أيوجد اسخف من هذه النظرة الى الانسانية ، وليس غريبا والحالة هذه ان يرتبط مفهوم حقوق الانسان بمفهوم القوة في مواجهة الشعوب الاخرى، اذ نرى وزير الخارجية الامريكي ” ادوارد ستيتنوس الابن ” يَدْعُ وهو يعرض ميثاق الامم المتحدة على لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ حيث يقول :”ان اعطاء الدول الخمس الكبرى مقاعد دائمة في مجلس الامن الدولي ومنحها حق النقض يشكلان في الواقع اعترافا بحقائق القوة في الحياة 15.

الجزء القادم : الايدلوجية الناعمة

نظرات في ازمة الحضارة الغربية

الجزء الأخير

الايدلوجية الناعمة :

ان الكم التكنولوجي الهائل الذي وصلت اليه الحضارة الغربية المعاصرة في جميع المجالات وخاصة في مجال الفضاء ، يحتاج في المقابل الى كم نقدي هائل ،ويمكن ان نقدّر الصاروخ الفضائي في هذه الحالة بوزنه ذهبا ،وعلى ذلك لابدّ ان تبق مناطق جغرافية على الخريطة الدولية خاضعة جبرا للاستعمار .

واذا كان لنا من سؤال هنا على سبيل الفرض ، او بالنظر الى الواقع ،،هو : هل ان الشعوب تفضل ان تموت جوعا دائما ، وهل ان صاحب التخمة لا تقوده التخمة الى الموت ،وان صاحب الجوع لا يقوده جوعه للحياة ؟لنترك هذا جانبا ، موقوفا على شرط تحقق اللحظة التاريخية للإرادة الذاتية لشعوب العالم الثالث ،وفي الطريق تبدو مؤشرات لعناصر الظاهرة ،ولنأتي مع الناقد المغربي \محمد بنيس \لنعرف معه ان الغرب< انشطر الى شطرين: ــ

غرب للتدمير والاستعباد \وغرب للنقد والتحرر \، وان هذا الغرب المشطور عن نفسه لا يغفل انشطاره هذا عن نفسه بين :ــ

الاستعباد \ والتحرر \ ،الغربي الانساني \ والاسياد العبيد \ ، ولكلّ من هذين الغربين امتداده في اقصى الجزر ونهايات القرى المبعدة عن القرن العشرين>

والملاحظ هنا ان القرى المبعدة عن القرن العشرين والتي احتوتها الحضارة الغربية بجميع متناقضاتها الداخلية ،تبدو انها لم تفقد حدودها كلية ، فبالرغم من ان الحضارة لها صبغة عالمية ، حيث تجتاز حدودها الجغرافية، وبالرغم من ان المواصلات حوّلت العالم الى قرية واحدة ،يبدو لنا مع ذلك ان الحدود الثقافية ما زالت باقية ،والا كيف نفسر الانتفاضات المتواترة في مواجهة الصراع الخارجي .

وفي الحقيقة والواقع ان ما يؤخذ على الحدود الثقافية القائمة في العالم العربي على الاقل هو ان خطابها مازال خطابا كفاحيا وليس خطابا ابداعيا وهذا سؤال اخر … امّا الملاحظة الثانية الي نوردها هنا هي ان انشطار الغرب الى غربين يذكرنا بأنّ الحضارة الرومانية حين انسحبت من التاريخ لم تكن في حاجة الى الآلات بل كانت في حاجة الى الانسان والقيم كما يشير ذلك بوضوح المفكر مالك بن نبي

وقد يقول قائل ان هذه الملاحظة ملاحظة اخلاقية قيمية لا تصلح ان تكون معيارا يقاس عليه ،وتجعلنا نحن العرب والمسلمين على قائمة الانتظار في الزمن القدري ، عوضا ان نكون في عمق الزمن الانساني معبّرين عنه في الواقع بإشعاع مركزي ، فهذا القول صحيح ،لكننا اخذنا ظاهرة انسحاب الحضارة من التاريخ على اساس نضوب الطاقة الروحية او قل ان شئت فعالية الارادة وان ضعف الارادة يظهر في انشطارها ، وعّله من هذه النقطة بالذات يقول لنا الاستاذ\ عبدالله عبد الدائم: في احد مقالاته ،انه منذ اوائل السبعينات بدأ الغرب يشعر حقا بأزمة الايدلوجية القائمة، وانطلق يبحث عن بدائل جديدة لايدلوجية جديدة . ..وبعد ان يعدد الاستاذ \ عبدالله عبد الدائم الكتب التي صدرت في هذا المجال منذ عام 68م (16)ـــ(انظر احد مقالاته المنشورة في مجلة العربي عدد 354لعام88م )ـ يكتفي بالتعليق على كتاب بعنوان” الايدلوجية الناعمة” الصادر في نوفمبر عام 78م لصاحبه ” هويج وباريس” ويلخصه لنا كالاتي:

* <<يقول اصحاب الايدلوجية الناعمة انه ابتداء من الان يجب الكف عن الشروع في المشروعات التنظيرية الكبرى لأيدلوجيات كبرى ،التي تحاول بناء مجتمع جديد ، لأنه لا يمكن لها ان تأت بجديد ،بقدر ما تعمّق الاشكالية .

*يجب ان تكون الدعوة الى أيدلوجيات متواضعة يقتصر دورها على توفير الحد الادنى من الوفاق الاجتماعي.

*يجب ان تكون الدعوة تأكيدا ” للفردانية” في حالته النقية كأهم رسالة تدعو الى المتعة والارواء المحسوس للأهواء ، فلا حاجة من اجل العثور على السعادة لانتظار ثورات اجتماعية ،او زيادة الدخل ،بل علينا ان نقطف السعادة والمتعة الان و ههنا .

*الاخلاق تستند اولا وقبل كل شيء الى ” الخوف “والمطمع الوحيد في هذه الحالة هو اتقاء السوء في عالم يتفشى بالعرقية ،والفاشية وذلك عن طريق “الصدقة” و ” الاحسان “وتشجيع المغامرة ، والكسب والنجاح ،فالبطولة الخلقية قوامها عناصر ثلاث هي : الرياضة \ المال \ النجاح .فكل ما يتصل بالجسد يحمل قيمة خلقية لان الجسد هو مصدر المتعة والرأسمال الذي ينبغي اخصابه .

البحث عن الخير المطلق وهم من الاوهام ،لذا يجب ان يقرّ أساسا بثورة الاتصالات الحديثة في عصر الحسابات الاكترونية ،التي ستحوّل العالم الى مجتمع معلوماتي مبدع ،وتطور الملكات الانسانية ،وتجعل العالم يسوسه العقل.>>(انتهى الاقتباس).

والملاحظة هنا ان هذه الظاهرة الايدلوجية الجديدة تشير الى تفاقم اشكاليات الغرب العميقة وانجراف القيم في هوة عميقة والاعلان عن افلاس الطاقة الذاتية كرصيد روحي في تغيير المجتمع الى برّ الامان ، لان نفي الايدلوجية يعني نهاية الايدلوجية ، اي العجز والافلاس عن حل المشاكل الانسانية المتعاظمة كما انها تحاول ان تبحث عن استراتيجية جديدة لإنسان خنقته ادواته التي وجهها منذ البداية الى اشباع رغبات العنف في نفسه واصبح مغتربا في غربه وان كان له من محاولة اصلاح بواسطة ايدلوجية ناعمة فانه امام الازمات الكبرى التي يعيشها العالم، تصبح هذه النعومة نوعا من السخرية الجديدة شعارها “الصدقة” و “الاحسان” وحق التواصل والاجتماع المعلوماتي والحرية الفردية من أجل سعادة أوربا والغرب .

فهل من صحوة عربية فكرية ممنهجة تفتح مجال الابداع وتبعث الفعالية في المشروع المستقبل المؤسس على القيم الاخلاقية كآلية للتغيير الاجتماعي بذات الارادة الجماعية كمحرك حقيقي لتقدم الامة ومحرك حقيقي للتاريخ

محمد أحمد الحمري- ليبيا\ 26\3\1993م جريدة العرب.الدولية..

المراجع :

1\على عبد الواحد،\ المساواة في الاسلام\1965 م صفحة 14.

2\محمد طلعت الغنيمي،\ الاحكام العامة .في قانون الامم 1971م ص46

3\محمد طلعت الغنيمي \في التنظيم الدولي \194م\ص30

4\ مكارم ابراهيم مصطفى \الشخصية القانونية للمنظمات الدولية\ 1975م\صفحة 18

5\ قاسم حسن \بوابتا القرن العشرين\…\صفحة 42

6\ نفس المرجع السابق ص56

7 محمد طلعت الغنيمي\ الاحكام الامة في قانون الامم \ص35

8\سهيل القش\ الطبيعة \ الثقافة \التاريخ\ مجلة دراسات عربية1984م \ عدد صيف السنة العشرون\ ص28

9\ نفس المرجع السابق ص28

10\ ميشيل جوبير \الامريكيون \ ترجمة وجيه البعيني \باريس 89م ص89 وما بعدها .

11\مالك بن نبي \وجهة العالم الاسلامي\ ترجمة عبد الصبور شاهين \ ص29

12\ميشيل جوبير المرجع السابق

13\ميشيل جوبير المرجع السابق

14\ محمد بجاوي \ الثورة الجزائرية والقانون \ص385

15\عباس العمر الامم المتحدة في ربع قرن \ص15

16\ عبد الله عبد الدائم \ الايدلوجية الناعمة مقال \مجلة العربي عدد 354\ مايو 1988م \ص18

17\ محمد بنيس \مسألة الحداثة\ مجلة الكرمل \عدد 12\1984م\ص46

18\عبد الله عبد الدائم الايدولوجية الناعمة\ مجلة العربي عدد 354 السنة 31\ مايو 88م ص18.

(هنا انتهى مقال نظرات في أزمة الحضارة ).

(وعلى أمل ان يتم اعلامي بأي صحيفة اعيد نشره من صحفكم العاملة. .لكم خالص التحايا )

محمد أحمد الحمري – ليبيا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s