بائع اليقظة (قراءة نقدية) – مفتاح الشاعري – ليبيا

بائع اليقظة …

ــــــــــ البوح في زمن الحداثة ..!!

حين نقول أن الشعر هو وليدٍ شرعياً للحياة الثقافية في المجمل , فإن دافعنا في ذلك ما كان ولازال يحمله هذا الشعر من امتداد لتفاصيل الحياة المعاشة للمبدع , وقدرة على تقبّل مختلف الآراء ومواكبة لنظريات وإن تغيرتّ الرؤى أو تعددت المفاهيم..!!

وفي حضرته هذا البراح المباح الحافل بالتفاصيل ووصف للمراحل, وجانبٍ من رمزية و تفاعل وتخيّل وإن كان كل هذا الدفق المتنوع غير غوغائي في المطلق !! ..

ولطالما كان الشعر ذكياً .. متقداً .. متجددا عبر حقبه الزمنية المتعاقبة , غذّى العقول وأعطاها المبتغى رآه العشاقّ حلماً في المخيلة , ورآه الحالمون تكثيفاً لواقع يلامس المشاعر وسماء مشرّعة بشموسٍ تبعث بإطلالة مقدم ربيع جبلي ودفء خريفي مستحب .

و ما جاء به الشاعر الليبي الشريف حسن بوغزيل – وهو بالمناسبة عضو إتحاد الصحفيين العرب وعضو رابطة الأدباء والكتاب بليبيا ومؤسس ورئيس تحرير صحيفة عمر المختار وكاتب بعدة مجلات عربية ومحلية و معد ومقدم برامج بعدة إذاعات ليبية – كان مجموع من نثره وسرده عبر مؤلفه – ” بائع اليقظة – الصادر عن دار البراق للطباعة والنشر والتوزيع بتونس , وتّولت أ. ” منية بوليلة ” ترجمة نصوصه إلى الفرنسية مشيرة إلى أن الغاية من هذه الترجمة تبيان ” لانطباعات ( مترجمة ) حاولت الغوص في أعماق الشاعر ونقل ما تيّسر إلى اللغة الفرنسية في دعوى لغير العرب لاكتشاف عوالم – كاتبا عربياً ليبياً – قالت عنه بأنه كان – يغرّد خارج السرب في بوح بهواجسه وتساؤلاته وآلامه وكل أحاسيسه كما هي ملتهبة متأججة.!!

وفي خلاصة سنشير إلى أن ما لاحظته أ. ” منية بوليلة ” من خلال هذه الترجمة حضور حالة من تأكيد ثلاثية متلازمة – لامرأة وقصيدة ومدينة – وصولاً من الشاعر وبنجاح إلى فسحة من فكر متجدد ورمز لمفردة وأسطورة بسند يعزز جوانب متعددة في متناول البحث والتدقيق والاستنباط لمن شاء أن يسلك ذلك ..!

أما المقدمة العربية فكانت بقلم الكاتب التونسي ” الحبيب مرموش ” وهو رئيس فرع اتحاد د الكتاب بالمنستير ., وقال بجملة من دلالات السردية ولحظات غيبوبة لذيذة تعقبها صحوة لحقيقة إبداع خلاّق ولغة وزمن وسماء وتكاثف صور لتبعث في النهاية بسردية مغايرة للمعتاد حفلت إجمالاً بحقيقة تجسيدٍ وتحولِ وحالة من الغنى بالإيقاع والجمالية الرؤى ..!!

ولعل موضوع الترجمة وما تناولته المقدمة قد شكلاً بذلك مساحة من الاختزال الصائب لمعنى شمولي سيكون في منظورنا قادراً على بعث كم متوافر للمتلقي المتأني عقب مطالعته لعوالم مدهشة و رونق إبداعي لشاعر مثل الشريف بوغزيل الذي قال :-

( أن تغمز المرأة .. فإنك تغازل القصيدة .. وإن تستدعى القصيدة فأنك تغمز بنبضك امرأة تنام في البعيد ” ووحدك من يعرف البداية .. أينما ذهبت أنت المحاصر تحاصرك القصيدة , فكل ما كتبت لا يعنى بدء القصيدة وكل ما كتبت يذكّرك دائماً بتلك القصيدة ” ووسم العالم الملتف حولك بأنفاس القصيدة … القصيدة خوف , توجس , احتراز , حالة من القهر والدكتاتورية , تمارس اللعبة ذاتها دائماً ” الريح الشراع ” ورغبة المغامر في الوصول قبل الأوان ليحرك ماء البحر ويستحلب السحاب دونما ” فضة ” يعانق الغيوم الهائمة ويصنع بينها موعداً للغرام … يستدعى رائحة التاريخ , ويمزج عطرها بما تبقى من وقت لذكراها , يحرك الزمن بمعول الأيام ولحظات الترقب. ويضيف لوناً يشبه العنب ويتذوق الارتعاش التائه من الكلام , عندها تظهر الحوارية القصيدة أو قصيدة الحوار أو شيئاً ما يشبه وهم كاتب ” ) ….

ولعل ماكانت من هذه الاستنارات التى جاء بها الشريف بوغزيل كانت تعنى لنا نوع من رحلة لدواخل المبدع في رحلته نحو رؤى متعاقبة عبر صورٍ لم تتأت لغيره نجحت في الحقيقة بخلق نوع من المشاهدة المدهشة التى سرعان ما تحوّلت حقيقة إلى أطياف تسكن مخيلة القارئ في الضفاف المقابلة بمهارة استئذان لطيفة وغير مستهجنة .

وإن شئنا التدقيق فإن الديوان كان يتهجأ ذاته بمهارة متأنية في شكل صور حب للشاعر يسكنها إلى نفسه ليجعلها في قناعة متعاقبة بعدم السفر بعيداً .. ويداعبها لتتفاعل وتخلق أطر ليس من الصعب تبيان أنها دلالة في بعض مواطنها لحظات من وحدة باعثة على الإلهام :-

(… من يغّرد خارج السرب وحدة يستطيع أن يُنشد معزوفته الفريدة .. ويستنشق نسائم لم يعرفها بقية السرب المؤدلج والمقنّن والمستنسخ ..)

وحين محاولة استنطاق ما عايشه الشاعر ويعيشه , فإن المؤشر سيكون في اتجاه لسعي حثيث نحو إسباغ لحالة من حقيقة انتشار لفضاءات الإبداع وممالك خاصة لا تخلوا من الخصوصية رغم اتساع رقعتها , أيضاً كانت التجربة في وضعها العام ستروي لحظات التربصّ التي ترتأى نفى قول – أن النص الشعري جامد لا تتحرك – , و تشير لدلالة التجلّي لمعان وحقائق ووجوه وأنفاس ومشاعر وتسجيلٍ لآنية اللحظة وواقع داعياً لاستنهاض فلول عشق قادمة من وراء حجب لمشاعر بتدفق لا يكاد يهدأ حتى يعلو صخبه من جديد , ونثرٍ على صفحات قالت بسؤال سابق لمعرفة :-

( الكتابة ..؟ قاموس لكلمات وحروف .. منتشرة بفضاء الله الواسع .. بالأفق بالسماء .. تأتي كما الوحي كما الإلهام ..)

إن الشريف بوغزيل عبر ديوانه كان سيداً لحضور أجواء فجر حمل آمال ومحبة عبر أطلال ذكرى غارقة في مكامن أنفسنا لم نقلها وإن كانت موجودة , وكان بذلك الشاعر الذي شّكل فينا ” الآخر ” الممتلئ صراحة بعوالم و جداول شعر دون تضاريس أو حدودٍ معلومة تعيق تشكيل اللحظة .. والرامي ببذور الكلمات لتُنبت طلائع سنابل تغذي الروح وتستلهم إرهاصات مطلع شمس !!

وحين يتغنى بو غزيل ّ بكل ألوان الشعر فهو بذلك يطرق أبواب أسرارنا .. ويدخل لمعان قصيدة في ثوب حسناء نائمة في خدر الأفئدة :-

لنلتق عند مدخل القلب

عند الجسر المؤدي لنبض الحلم

لنلتق .. .

إن ما يشدناً في بائع اليقظة توافر هذا الكم المميز من علاقة لم تكتف .. فكانت بحالة تصادم مع المتخيّل , بل كانت عزفاً بقدرٍ من التواصل الهادئ بأنغام اتحدت مع الغير بمهارة لا تغادر المحيط المعاش إلا حباً, فكان بذلك تفاعلاً مع الذات حيناً ..وتوحدّ لذيذ مع النفس وفي هذا وذاك كان في تقارب مع خيط تماس يكاد يكون خفي للعقل الباطن مع حالة من الحنينية :-

(… أنا القارب .. مثل كل القوارب الخشبية .. كدت أن أكون غُبارا أو يباسا , لهبا في مجامر الأحياء الشعبية أو القصور سيّان حين انتزعني ماهر .. استنشقت الانطلاق والحرية وجدل الحياة .. والآن تٌسرد على ظهري حكاية صياد وزورق لصغار .. )

وإن شئنا الحديث عن لغة بائع اليقضة فسنقول بأنها كانت صحبة مريحة و صور بلاغية في مقدرة من الشاعر على استجلاب أدوات قادرة على مشروعية البقاء مع اللحظة الحاضرة للقراءة ولتشكل ممارسة عملية لقراءة إيقاع غير مستهجنة تشير بأواصر قربي لمشاعر المنشد على شكل موسيقى إحتفائية بالمفردات والأسطورة والحكايات مابين تخيلية مطلقة وشخوص قابعة بين السطور :-

آريتا

تتدلى من آخر السماء لوناً وبرقا

تُشكّل غيمة وِظلالاُ لمدينة .. المدائن

تُغافل السلفيوم وزهو السفوح

تُعلن صِراع الأحصنة

ينطق التاريخ حُباً وحكمة ….

أما جانب الاستعارة فكانت محددة في تعاقب عبر الصفحات بمنأى عن المباشرة و ناطقة تخرج عن حدود صمت وإن كان مستساغ يٌراد ما بعده , فكانت المعادلة على أساس جمالي شكلّ وحي إبداعي بإذن مشروع لعبور الخيال إلى الواقع والسكون إلى حركة مٌعطياً جُمل محاكاة لأسرار الشاعر ومساحات لصالح الديوان لم يكن بالإمكان إغفالها …َ!!

ويجب أن يٌضاف هو أن الشريف بوغزيل كان في إشارة إلى مواطن البوح بعد فترة صمت طويلة , متخذاً حالة من إعلان الحضور بعد بيات شعري فكان ربيع الكلام المباح , وأميراً لممالك شعره من خلال تعاقب النصوص وحالة من التمّكن من الاتحاد مع روح العشق في ثوب التصوف .. و هو ذاته المعانق للحظات من التعالي عن ممارسات مباشرة لا تمس الوجدان .. وكأنه في تحدٍ لما هو مطروح حوله ليبنى عوالم عشق ورؤى ونقاط تفاعل لأحاسيس شاعر في محرابه.كانت في النهاية مميزة !!

ومن الجميل التأكيد على أن الشعر تذكرة سفر .. وحلم .. ومبادئ متجذرة غير مستنسخة , ومن الجميل مرة اخري أن تكون النصوص الإبداعية مفكرة لمسافر يهوى أن يسجل وقع اللحظة شعراً , فهنا تكمن الديمومة الإبداعية لتصبح عنوانٍ لأحاسيس هي في الحقيقة خارجة عن متطلبات عابرة للنفس , مجسدة لخارطة طريق لسموا شعري يرتقى لمرتبة الأحقية في الوجود والقراءة والتذوق ..!!

ولهذا .. حين الاستغراق في قراءة هذا الديوان سنكون في ثوب صبي على شاطئ بحر يصغى إلى صدفة بحثاً عن غناء وعزف ليخلق في مخيلته الصغيرة ممالك من تخّيل .. وجبالٍ من جمال .. ولحظات من وجود يعايشه واقعاً ومخيلة :-

(… عندما يأتي الشتاء أكتب .. اكتب إليك حين تستأنف الأرض دورتها لتدخل بمدرات الشتاء القارس المتفرع عبر أشهر البطء والرغبة في أن لانفترق .. فإليك اكتب يا سيدة البرد والدفء والعنب والسحاب …. )

وحين نشير الى مواطن الانبعاث في الديوان فإننا سنقول أنه كان واقعاً شكلّ نوع من تجدد أنفاس القصائد عبر تتابعها في مخيلة شاعر قادرٍ على التجددّ :-

ستحتويك اماكن الريح ..

ومطامر الغجر

عند سفوح الأصداف المكابرة ..

سيحتويك الرحيل وطناً

والشمس بوصلة تقود لأقمار الخيال

ولذلك الحنين الذى يشبهك

عندها

وقّع على ساحة الضوء

الف زهرة وامرأة وقصيدة

وحكاية شراع

ما عادت تعرفه المواني

وقبل نهاية الإبحار في جداول بائع اليقضة كان من الواجب الإشارة الى أن عملية تحاشٍ ذكي سجلت للشاعر , فكان بعيداً عن التكرار , باحتساب منه لعامل التجسيد لكينونة الذات الشعرية , فسجّل بذلك بمنأى الفرار من بوادر الملل عبر استجلاب جمالية البحث عن المفردة بدافع التجديد دون التقليد ,فكانت المحصلة تبلّور حقيقة أن للأرض المتحركة لغة كما للإنسان والطير والجماد في محاكاة لمجموعة مقاطع ..

ولنا التأكيد بالحداثة فيما لو كنّا في صدد إحصاء رؤى وشكل حكاية وإن كانت مجزأة بقدرة على التكاثف والحضور في النهاية ..:-

مريم تاريخ آخر

اغنية تناغمت مع صبة الزمان

طبيعة صرخت

فثارت جدلية محضة

تقوقعت بدائرة الحب

ثملت حزناًُ وشوقاً

بخمرة النهايات …..

و نرى – قبل ان نختم هذا الموجز – دعوى تتخلق أمامنا لاكتشاف ذات الشاعر مسكونة بحقيقة لوح نحّات يستنطق ذاتية السؤال و أبجديات الاكتشاف لجوانب المسكوت عنه :-

صديقتي

تعالي أحدثك عن ذلك الزمان

الذي كان يشبهني

كما كان يشبهك ذات زمان

كان الفكر ساعتها يؤلف جدلا

لكل الأشياء

كنت ترسمين الآن .. أنا …

ولعلنا في المختتم سنكرر ما قلنا به منذ زمن من أن الشاعر لم يأتِ لهذه الدنيا شاعراً , لكنه بالتأكيد كان مميزاً حين حمل مساحة مرهفة قادرة على تبيان مكامن الجمال ومواطن البلاغة وجعل كل ذلك قصيدة شعر تٌقرأ وُتعاش ..

وهو ذاته الكائن الذي امتلك حلم الذكريات ونسجِ منها عاطفة تصدح حرفاً وكلمة وصورة عبر أصالة وإيمان بفن الرسالة والمضمون والدلالات الواقعية أو الخيالية. , أما الشعر فسيظل سماء واسعة مشرعة اختزلت دروب لعوالم اللذة الروحية وشيئاً من الحلم والحقيقة ..

مفتاح الشاعري – ليبيا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s