أحب أن أكون تمثالا من الشوكولا – عبدالمنعم عثمان – مصر

.. أحب أن أكون تمثالا من الشوكولا ليتقاسمنى الأطفال والنساء

الباحثات عن الحب فى هذا الصقيع كلما تجمدت روافد العشق …

ولولا إيماني ومعتقداتى لأعلنت عصيانى واستسلمت لرغبتى فى عبادة الأصنام من كثرة عشقي للتماثيل, خصوصا تلك التي تنتصب في ساحات المدن التى ذاع صيتها و كبرت بكبارها. . .

كتمثال الأمير عبد القادر في الجزائر,و صلاح الدين في دمشق,و ابن خلدون في تونس, وسيّد درويش في القاهرة وموزارت في فيينا.

وحدها التماثيل لا تملّ من وقوفها أو جلوسها ولا تنزعج من نظرات الغرباء والزائرين, ففوقها تحطّ حملها وتستريح السحب والحمائم والشموس حتى ضوء القمر عندما يغفو

وحدها التماثيل لا تزور عيادات الأطبّاء ولا المتاحف ولا قبور أصحابها ولا تنظر الى عقارب الساعة ولا تفتش في جيوبها ولا يضيرها غدر الأصحاب والزمان.

وحدها التماثيل لا يقتفي أثرها ولا يركض خلفها دائن أو زوجة نكديه أو رجل أمن, إنّها لا تبالي حتّى بما حولها ومن حولها .

كنت قد دونت هذه السطور في مفكّرة صغيرة سرعان ما دسستها في جيبي بعدما شاهدت تمثال بدر شاكر السيّاب في مدخل مدينة البصرة وقفت انظر اليه كما كان ينظر (بيجمليون) الى تمثاله الذى نحته وتحول حبه له الى حد العشق وهو محاط بأكياس الرّمل أثناء حرب الخليج الأولى في ثمانينات القرن الماضي.

لم يهرول بدر شاكر التمثال إلى ملجأ هربا أوحماية لنفسه من قذيفة طائشة لكنّ عشّاقه خافوا على حياته حتى بعد موته وأحاطوه بأكياس الرّمل.

ماذا لو هرب بدر التمثال فعلا بجلده ولحمه وعظمه البرونزي من تلك الحرب العبثيه واحتمى في ملجأ آمن وتصادف أن التقى وجها لوجه بتمثال ابن وطنه (أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ), ياترى ماالذى سيدور بينهما من حوار ؟ بين صاحبي الوجهين النحيلين الغريبين المميّزين بين صاحب كتاب (المومس العمياء) و(جينكور) و(يا عراق) وصاحب كتاب (البيان والتبيين) و(البخلاء ) و(التربيع والتدوير)

فالسيّاب الذي قرّب الشعر إلى النثر والجاحظ الذي حرّرالنثر من الشعر, ياترى ماذا يقوله شاعر حزين مات تحت الوجع والمرض وهو يتألم لمفكّر ينتمى للمعتزله وقد ّ مات تحت ركام الكتب وهو مفلوج الرأس.. ياترى مااسم هذا الكتاب السّميك الثقيل الذي سقط فوق رأس الجاحظ فأرداه قتيلا … لعلّه كتاب يحكى كيف قتل الحسين من يدري؟..

كانت هذه فكرة حامت في ذهني آنذاك ثمّ أودعتها لأجل غير مسمّى مثل كلّ فكرة تداهمنى فى سفرى وترحالى صباح مساء .

ما لي وتلك الأفكار التى تلاحقني كالدّائنين ..سأعود إلى عشقى للتماثيل وتمنيت لو كانت لديّ عضلات مفتولة تقوى على إحتضان المطرقة والأزميل لأقارع الصخور وأذيب المعادن وأصبها وأصبحت نحّاتا… هكذا كنت أحدّث نفسي وأواسيها ورغم شغفى وحيرتى .. إستسلمت لفكرة من لم يستطع أن يكون نحّاتا في حياته فليصير تمثالا بعد مماته.

لكن… كيف لي أن أطيق نفسي لوأننى تمثال ينظر إلى هذا العالم بحدقة جامده ثمّ إنّي لا أطيق عدسات المصوّرين ولا فضول السائحين ولن أتمالك نفسي أمام عيون إحدى المعجبات ولا أقوى على مشاهدة أحفادي وهم يلهون و يأكلون ويشربون وكيف أتفاخر بهم لو أن أحدهم جاهل أ وسافل وأرعن لا همّ له إلاّ التباهي بمآثر جدّه… آسف, ليس لديّ الآن مايشغلنى غير أحلام اليقظة, لا أظنّكم تحرمونني منها أيضا.

فمن يا ترى يكون النحّات الذي سوف يجسد أخطائي الظاهرة والباطنة ويقترب من كلّ جسدي بإزميله ومطرقته دون أن أتألّم أو أشعر و أدغدغ؟..

قد يتغيّر محافظ المدينة أو رئيس البلديّة ويأتي آخر لا يطيق رؤيتي فيأمر بإتلافي أو إرسالي إلى مستودع المفقودات أو إلى ميدان ّ أشعر فيه بالغربة أو يأمر بإعادة صهري وتذويبي, و قد يسرق الشهرة منّي نحّات بارع ويوقّع بالأحرف الكبيرة اسمه تحت قدمي أو على خاصرتي, قد تبصق فوقي العصافير والطائرات, قد لا تحميني أكياس الرّمل قد يهاجمني تكفيريّ بفأسه …فأضطرّ للهروب إلى ملجئ أجد فيه صنما لطاغية أمقته أو لإ مرأة أحببتها و خدعتنى …فما عساه أن يكون حوار المعادن عندئذ؟..

أيّها النحّات الذي سوف يأتي, لا تصنع لي تمثالا من معدن نفيس فقد يشتهيه ويطمع فيه الأصدقاء والأعداء على حدّ سواء, لا تصنعني من الشمع فأنت تعرفني سريع الذوبان أمام عيون العشاق بل اصنعني من الشوكولا.. أجل من الشوكولا.. وليتقاسمني الأطفال والنساء البدينات والباحثون والباحثات عن الحنان في هذا الصقيع المزمن .

أكاد أن أعرف من سوف يأكل رأسي و أنفي وكبدي وقلبي وأصابعي و..

لا.. لا تصنعوا لي تمثالا بل امنحونى

ازميلا ينحت في قلب الريح وبين الأمواج ما يحلم به الحالمون وكل مايشعر به المتألّمون وما تقوله الريح نفسها لدفاتر العشّاق وأكواخ الفقراء و.. النخيل.. . .

بقلمي

عبدالمنعم عثمان – مصر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s