في ليلة ذات شتاء بارد – حمد هلال – ليبيا

في ليلة ذات شتاء بارد

وحده طريق الريف يحفظ تلك الخُطى المرسومة على بياض الثلج ،

كانت تلك الأزقة الضيقة تلف البهجة كالزنار على خصر المنازل الشبيهة بأكواخ الأفلام القديمة ،

وإذ بصوت أحدهم يقترب ببطء ،

وكأن أصداء أنفاسه جعلتني أشعر بالبرد بالنيابة عنه ،

لازلتُ أذكر آخر مرة تحملتُ فيها عناء التعب عن غيري ، كانت قبل أن أحيا لعُزلتي

لدفتري ، ولليل الذي صار رفيقاً لكتاباتي .

كانت طرقات أصابعه على الباب هادئة ، خجولة تخشى استيقاظي

أو ربما كانت تسأل عمن إذا كان أحد في الداخل ،

وحده صرير الباب عندما فُتح هو الذي أقلق راحتي ، وكأن البرد إلتفَّ حول رزّاته فجعلها ثقيلة كزائر المساء الذي أتاني على غفلة ،

غريبة هي مفرداتي !!

فما الفرق أن يأتيك أحدهم على غفلة أو على علم مسبق منك ؟؟

فالكريم مكرم ضيفه ولو كان يعاني القلة

والبخيل صاد له ولو كان ذو مال ،

أيقظ مصابيح منزلي لينثر الفوضى فيه في وقت كنت انا حقاً قد اعتدتُ على العتمة ،

تسلل الضوء الى كل زاوية صغيرة من زوايا البيت ، تعانق مع الصور المعلقة على الحائط ،

ألقى الضوء تفاصيله على الورق المبعثر

كانت عشوائيتي تظهر بإعتناء وكأنها كوكب دُرّي يُزين بنوره كبد السماء ،

عثر الضوء على رسائلي المفقودة والتي كنت قد نسيت أصلاً بأني أنا الذي وضعتها هناك ،

هناك حيث يقبع الماضي الذي حاولتُ جاهداً نسيانه

لم يعد ذاك الأرشيف يشدني إليه كما كان في السابق ،

تراكم الأيام أنساني التواريخ المهمة

صوتُ الهجر صار أقوى عندي من صوت طبول الحرب

تلك الحرب التي أعلنتها على نفسي عندما قررتُ الابتعاد ،

لم أكن أعلم بأن الضوء سيفضحني وأنا الذي لطالما سعيت للنسيان بكل قوتي ،

تسلل عنوة بسرعته الى موطن الذكريات

لم تكن تلك الصورة الا جلسة صغيرة كانت آخر ما اجتمعنا عليه

فنجان القهوة الذي كنا نشرب منه سوياً

أحاديثنا سوياً عن الأيام التي ولّت

خوفنا المشترك من المستقبل الذي نجهله ،

وهنا تكمن المشكلة

فنحن من شيدنا جدران الفراق المبكر بأحجار ذلك الخوف ،

ولأن الوقت لا يرحم

إنطفأت الأضواء فجأة في المنزل لأشعر بذات الخوف الذي شعرت به قديماً

اقترب الصوت كثيراً من حجرتي فنظرتُ وأنا جالس أكتب مذكراتي ونافذتي خلفي والشمعة تُنير أسطري

وإذ بها تُعانق كل تفاصيلي كما عانق اليقين علمي بأن ذلك الضوء لم يكن إلا نور وجهها عندما حضرت فزينت مذكراتي كما فعلت ذلك عندما زينت حياتي يوم التقيتها أول مرة ..

فمازالت تأتي بين الحين والآخر لتسألني فتقول لي

ألم تشتاق ؟

فأنظر اليها عن كثب

بلى فلقد أرهقني الفراق …

فترحل بهدوء مثلما أتت .

#ذاكرة_فراق

حمد هلال – ليبيا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s