حكايتنا للتاريخ – بشير قطنش – ليبيا

حكايتنا للتاريخ

قديماً وليس قديما جدا كانوا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ولكنهم يضحكون ، ليس لديهم مما نتفاخر به اليوم شيئا ، من بيوت ومنازل شاهقات وسيارات ووسائل تواصل ومواصلات وفرش وأداوات في زوايا البيت والمطبخ و لكن رائحة طعامهم وخبزهم القافز يتراقص من فوهة التنور يختلف كثيرا ، مرات عدة حاولت تقليدهم ولكني مصيري كان الفشل ، وردني على لسان جدتي أنهم كانوا يذهبون راجلين من هون إلى ودان التي تبعد 20 كيلو متر لحضور ( دبدابة ) حفلة عرس صديق ويعودون ليبيتون ومع الفجر يعاودون غرس معاولهم في الأرض من أجل قوت يوم آخر إلى الغروب وهم سعيدون ، كانت القرية تأكل من تحت أقدامها فقط هي بعض السلع المعدودة التي يتم فيها المقايضة مع قوافل البادية ، كان الصدق و الود والعشق والتدين والتعاون وحتى ( الإيتكيت ) ولكن بصورة نقية غير مشوهة ولا ممسوخة ، كان العيد عيدا غير مفرغا من محتواه ولا منزوع الدسم ، على ذكر الدسم حتى اللحم كان لحما ولم يخالطه البلاستيك أو المطاط الطعم . وقريباً جداً عندما كنا صغاراً كانت شوارع الحارة واسعة والحوائط الطينية تشع دفئا ورحمة ، كنا نرسم أحلامنا على الرمل فعجبا كيف رسخت ، كان ذو الشيبة أعلى مقاماً وأستاذ المدرسة رسولاً مرسلاً لا ينطق عن الهوى ، شيخ الجامع كانت ملامحه تشع بياضا في بياض كبرنا ولم نستطع التمعن في تفاصيل وجهه ، كانت أحلامنا بريئة جداً ومذاق الطعام لذيذاً جداً تقله الرياح مسافات أبعد ، كنا نعيش اللحظة وننتظر الغد بلهفة ، بركة الزمان حلت بنهارتنا ويد الرحمن مسحت على مساءتنا ، أدركنا معنى الجار واستطعمنا علاقة القربى ، فصار الخال خليلاً والعم عِمامة ودثاراً و وقاية ، أعيادنا كانت أعياد تنثر رحمة وبهجة ونورا ، ما حل بنا !!!! وأين نحن الآن ؟؟؟؟ ، هل استمدينا خواص الإسمنت والحديد وغلفنا بها علاقتنا ، هكذا كنا فكيف صرنا ، أصرخ ماذا دهانا .

———————

بشير قطنش – ليبيا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s