الفلسفة – منذر المهدوي – ليبيا

الفلسفة ..

في البداية لعل أغلبنا يرى أن الفلسفة شيء معقد ، و أنه ليس بإمكان أي شخص أن يقرأ الفلسفة أو يفهمها ، بل هي لأشخاص قلة نادرين منقطعين عن الحياة فقط للفلسفة! ، و هذا تفكير خاطئ .. فالكل فلاسفة .. نعم كلكم فلاسفة و لكن بتفاوت ، فالفلسفة تدخل في كل أمور الحياة و لا يمكنك أبداً أن تقضي يوما واحداً دون أن تتفلسف ، فكما قال بعض الفلاسفة القدماء بما معناه : ” الكل فلاسفة ” . حتى اذا قلت : أنا لا أتدخل في الفلسفة .. فهذا يُعتبر موقفك الفلسفي!

و أهمية الفلسفة أيضاً انها تساعدك في إدراك أهمية العقل و منتجه الفكري ، حتى يحاول تفعيل قدراته العقلية ليستطيع التعايش مع العالم من حوله و يتعرف إلى نفسه داخل هذا العالم .

إن الفلسفة هي أهم العلوم فمنها ولدت الهندسة ، الجبر ، حساب المثلثات ، التفاضل و التكامل ، الكيمياء و الفيزياء ، كذلك النظريات التي تؤسس لهذه العلوم .. فبعد هذا كله فعلاً أتعجب مِن من يقول : ” ما فائدة الفلسفة أو ماذا قدمت للبشرية ؟!!

و الخطأ الأكبر أن يعتقد البعض أن دراسة الفلسفة هي نوع من الرفاهية الثقافية! ، و هذا الإعتقاد ربما يكون سائراً في مجتمعاتنا الشرقية ، و إذا قرأتم كُتب الفلسفة ستدركون أن كل العلماء الذين غيروا العالم بإختراعاتهم و نظرياتهم خرجوا جميعاً من رحم الفلسفة .

و على العموم فإن الإنسان لولا الفلسفة لما كان هو الإنسان الذي هو عليه اليوم .. فكل العلوم و كل الدساتير و القوانين و غيرها ؛ كلها جاءت من فلاسفة ..

و أيضاً يجدر التذكير أنه لم يرفع الإنسان عن مستوى الحيوان إلا فكره و قوة عقله ، فالحيوان يرى و يسمع بل و يتذكر ، لكنه لا يستخدم هذه القوى إلا في حاجاته الوقتية ، أما الإنسان فيرى ظواهر الكون على اختلاف أنواعها فيتصورها و يكوّن لها رأياً .. ثم يجتهد في التعرف على عللها و علاقة حقائق الكون بظواهره .. و هذا طريق فهم الشيء فهماً واضحاً ، فإن فعل هذا قلنا إنه يتفلسف ، و لا نعني بهذه الكلمة إلا أنه يفكر في شيء خاص و يحاول الإجابة عنه .

و بعبارة أخرى معنى ” يتفلسف ” أنه يبحث في ماهية الأشياء و أصولها و علاقة بعضها ببعض ، و ليس يخلو إنسان من هذا العمل وقتاً ما ، فساغ لنا أن نقول : إن كل إنسان عادي الفكر يتفلسف و إن كل الناس فلاسفة إلى حد ما .. مع تفاوت بينهم طبعاً .. إلا من استعبدته شهوته و انغمس في اللذائذ المادية و ألغى عقله . . إلا أن كلمة ” فيلسوف ” إذا أُستعملت بدقة لا تُطلق على من ينظر إلى الشيء أحياناً فيتأمله و يفحصه أو يشك فيه ثم يرى رأياً يعتقده و يتمسك به .. و إننا لا نُسمي من يُصلح سيارته ميكانيكياً أو من أصلح باب منزله نجاراً .. إلا إذا أتخذ من هذا العمل حرفة حياته .

و لهذا لا نُسمي الشخص فيلسوف إلا من كان أهم أغراضه في حياته درس طبائع الأشياء و تعقلها و عدته في ذلك فكره .

لكن ما الحامل على الفلسفة ؟!! و ماذا نجني من ورائها ؟! يقول أرسطو : ” إن الدهشة هي أول باعث على الفلسفة ” .

برز الإنسان إلى هذا الوجود فرأى نفسه في عالم غريب مختلف الظواهر ، واجهه الزمان بصروفه فراعه ذلك و استخرج منه العجب ، فبدأ يسأل : لماذا ؟ و من أين ؟ و إلى أين ؟ رأى هذا العالم أمامه لغزاً فحاول حلّه ، و تلك المحاولة هي الفلسفة .

أما أصل كلمة فلسفة و تاريخها ؛ روى المؤرخ اليوناني “هيرودوت ” أن ” كريسس ” قال ” لسولون ” : ” لقد سمعت أنك جبت كثيراً من البلاد متفلسفاً ” أي مُتطلباً للمعرفة . و استعمل ” بركليس ” كلمة ” الفلسفة ” يريد بها ” الجد وراء التهذب ” و مهما يكن من شيء فمنشأ الكلمة يُشعرنا بالإعتراف بالجهل و الشوق إلى المعرفة ، و يُنسب إلى سُقراط و أيضاً إلى فيثاغورس قوله ” الحكمة لله وحده ، إنما للإنسان أن يجد ليعرف ، و في استطاعته أن يكون محباً للحكمة تواقاً إلى المعرفة باحثاً عن الحقيقة ” و يروى أيضاً عن سقراط أنه قال : ” أنا لست حكيماً بل مُحب للحكمة ” في محاولة منه للتواضع ..

و هذا ما يدل عليه إشتقاق كلمتي ” فلسفة و فيلسوف ” فإنهما مأخذوتان من ” فِيلوس ” و معناها ” مُحب ” و ” سُوفيا ” و معناها ” الحكمة ” ، فمعنى فيلسوف مُحب للحكمة .

و معنى ” سُوفوس ” الحكيم و قد كانت كلمة سُوفوس في الأصل تُطلق على كل من كمل في شيء عقلياً كان أو مادياً فأطلقوها على الموسيقي و الطاهي و البحار و النجار ، ثم قصرت بعد على من مُنح عقلاً راقياً ، فلما جاء سُقراط سمى نفسه فيلسوفاً أي محباً للحكمة تواضعاً و تمييزاً له عن السفسطائيين ( المعلمين أو الحُكماء أو المتجرين بالحكمة ) .

أهمية الفلسفة :

الفكر الفلسفي جزء لا يتجزأ من حياة الإنسان ، فما من أحد من غير المؤمنين تقريباً إلا وقد وجد نفسه بين الحين و الآخر مُحتاراً أمام أسئلة يغلب عليها الطابع الفلسفي من نوع ما من معنى الحياة ؟ هل كان لي وجود قبل ميلادي ؟ و هل هناك حياة بعد الموت ؟ أما المؤمنين فإني أقول لهم إنكم لا بد و أن جاءكم وقت أو سيأتيكم وقت و تفكرون في أسئلة وجودية أو تأتيكم أسئلة من ملاحدة أو حتى من أطفال مثل: من خلق الله ؟ و ما الدليل على وجود الله ؟ و غيرها من هذه الأسئلة ، فإنكم لن تجدو وقتها إلا رصيدكم من قراءاتكم للفلاسفة و إجاباتهم على هذه الأسئلة و الحُجج التي قدموها في هذه المواضيع .

و بالعموم فإن الدائرة هي أكمل الأشكال الهندسية ؛ هكذا أتفق عُلماء الرياضيات ، و تأتي الفلسفة لتُشكل الدائرة الأكمل لكل العلوم المادية التي تصنع الحضارة .

و في الختام

إن تفعيل العقل و تنشيط التفكير العلمي هما رُكنا عِلم الفلسفة ، و لقد حظيت الفلسفة اليونانية بالنصيب الأكبر و لكن توجد قبلها فلسفات اقتربت قليلاً أو كثيراً من النضج في مصر القديمة و الصين و الهند .و سنحاول في هذه الفترة أن نُلقي نظرة عامة على جميع الفلسفات . . من فلسفة الشرق الصينية و الهندية و فلسفة الغرب اليونانية و فلاسفة الإسلام و فلاسفة عصر النهضة و فلاسفة عصر الأنوار .

منذر المهدوي – ليبيا

___________________________

المراجع :

كتاب : تاريخ الفلسفة ” من قبل سقراط الى ما بعد الحداثة ” تأليف ابراهيم الزيني

كتاب : مبادئ الفلسفة ترجمة أحمد أمين

كتاب : الفلسفة المعاصرة تأليف زكريا ابراهيم

كتاب : فلسفة القرون الوسطى تأليف فوادسواف تاتاركيفتش

كتاب : الفلسفة اليونانية تأليف فوادسواف تاتاركيفتش

و غيرها من الكتب .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s