هشاشة الجوارح – ريما سالم – ليبيا

هشاشة الجوارح ..

جداً سعيدة ، حينما جاءتني ركضاً لا تستطيع لقط أنفاسِها ، لِتُخبِرني أنّهُ أفصحَ لها عن مشاعره ، حتى أنّها لم يكنْ لديْها ثبَات لتُخبرنِي علَى الْهاتِف أَو على الانْترنت ، أتَتْ حاَفِية ، يدَاها ترجُفان ، كاَد نبض قلبها أن يتكلّم ، عيناها تُحدّقان بي دون ثبات تكاد أن تنفجِر …..

وأخيرا ، قالها ، أزاح كل ذاك الشوط الفسيح الذي يفصلني عنه ، أزال كل العقبات والحواجز ، و أخبرني بما يُكِنّهُ لي من مشاعر ، قال لي أنّه لم يرى مثلي ، وأنّني مميّزة ، جذّابة ، وطيبة القلْب ، نعم قال أنّهُ يُحبّني وأخيراً.

كنتُ سعيدةً بشأنِها ، تلكَ السّعادة التي تندثر من أرجائها ، وتُشعّ من قلْبها أسعدَتْني أيضاً ، لم تترك لي المجَال لقوْلِ أي شيء ، حضَنَتْني ، وكالطّفلة المرِحَة عادت تركض للبيت ، تبسّمتُ و دَخلْتُ المنزل ….

صباح اليوم التالي ، طُرِقَ باب المنزل في وقتٍ باكر ، كنتُ أتجهّزُ للكلّيّة ، كان غريبا أمر الطارق ، ذهبت أفتح ، لأجدها واقفة عند الباب تقترح عليا الذهاب للجامعة سيراً على الأقدام.

فقلتُ : في هذا البرد ؟

قالت : واعدتهُ أن ألتقيه عند الوادي المقابل للطريق الناقل للجامعة ، كانت تطرق بقدميها على الأرض و تإنّ بصوتها تماما كالأطفال لتُقنِعني.

قلتُ : بهذه السّرعة تريدان أن تلتقيان ؟

قالت : و أي سُرعة ؟ نحن نعرف بعضنا منذ فترة طويلة والآن بعد الإفصاح عن مشاعرنا يجب أن نتعرف على وجوه بعضنا.

كنتُ أحاول الرفض ، إلا أنها ألَحّت علَيْ.

ذهبنا وفي طريقنا ، و عند الوادي تماما توقفت سيارة حمراء ، لم ينزل منها السائق بل طلب منها أن تذهب إليه ، كنتُ خائفة وأمسك بيدها وأقول لا تذهبي ، أفلتت يداي وذهبت تُسرِعُ في خطواتها نحوه ، تحدّثا قليلا وهما يتمتمان ، و عادت إلَيْ ، وذهب هو.

وفي طريقنا إلى الجامعة كانت تكاد أن تقفز وكأن الأرض لا تسعها ، تتمتم بعبارات لم أفهم منها شيئاً.

وبدأت الموازين تنقلب.

لا تنتبه في المحاضرات ، دفاتر محاضراتها إمتلأت بالعبارات التي تعبر بها عن حالها ، ولم تعد تكتب بها أي شي من الدروس ، تُطْردْ من المحاضرات بسبب العلكة ولا تُبالي ،

بعد أن كانت المتفوّقة في مجموعتنا.

بدأت درجاتها تنهار شيئاً فشيئاً.

ذهبتُ يوماً إلى الجامعة ولم أجدها ، حاولت الاتصال بها لم ترد ، كيف هذا و لدينا إمتحان ، كانت كل دقيقة تمر تأخذ من قلبي جزءا ، يكاد ينفجر من الخوف ، اقترب موعد دخولنا ولم تأتي هذا مستحيل ، أحَصل لها شيء ؟ أأصابها مكروه ؟ أنامت و لم تنتبه على التوقيت ؟ كيف لها أن تتغيّب عن الامتحان ؟

جاء موعد الدخول و دخلنا ، كنتُ أشعر أنني سأتنطّطُ في تلك القاعة ، أريد أن أتكلم ، من سيسمعني بين أكثر من ثمانين طالباً ، حركة واحدة مني سأطْرَدْ خارجَ القاعة.

يا إلهي ماكل هذا الذّعر الذي أصابني؟ أشعر أنّ ما قرأته تبعثر.

وُزّعت أوراق الإمتحان و لم تأتي بعد.

طِوال فترة الامتحان وأنا أُلهي نفسي أنّها قد أتت و لم أرها.

انتهى الامتحان ، ووقفت أبحث ، خرجتُ من القاعة أشعر بالهزل مُتعبة بشأنها جدا ، نعم لم تأتي.

شعرتُ بيدٍ على كتفي ، دُرْتُ إليها فوجدتها أستاذة المادة أين هي زميلتك ؟ أنا مستغربة جدا من تغيبها وعدم تواجدها وخشيتُ أن لديها شيئٌ سيّء ، فحَضِرْتُ لأسأَلَكِ.

هممتُ بالرد عليها و دمعتي تكاد تسقط ، لا أعلم ما بها حاولت الاتصال بها دون جدوى ، لم تُخبرني عن سبب عدم مجيئها.

قالت : إن شاء الله خير ، و ذهبت

وتركتني أتخبّط بأسئلتي و حيرتي و خوفي.

عدْتُ إلى المنزل و فور خروجي من السيارة لم أدخل إلى المنزل بل ذهبت أركض لمنزلها ، طرقتُ الباب ، فتحت لي والدتها

السلام عليكم

و عليكم السلام

أريد مودة ، أهي في الداخل ؟

نعم تفضلي

وفور دخولي لم أنتظر من والدتها حتى أن تغلق الباب و تُدخلني هي إلى الداخل ، تركتها و ذهبت أركض نحو غرفة مودة ، لم يكن أمرا سهلا أو مقبولا أن تغيب طالبة كمودة عن إمتحانها.

طرقتُ الباب و دخلت ، جَلَسَتْ مذعورة من نومها

قلت : مودة ما هذا أين أنتِ اليوم ؟ لقد تغيّبتي عن الامتحان سُئِلْتُ عنكِ أكثر من مرة حتى أن أستاذة المادة سألتني عنكِ ، ما بك ، ماذا أصابك ؟

و كان ردّها المفاجئ !! ما بكِ لما أنتِ مّندفعة هكذا ، و إذا تغيّبتُ عن الامتحان ؟ لم تحصل معجزة ،أنا سهِرتُ البارحة طويلا و لم أستطع أن أدرس أو أستيقظ باكرا ، فَتركتُ الذهاب إلى الجامعة.

و والِداك ؟ ماتعليقهما على الموضوع؟

اششششششش إياكِ أن تقول أمامهما أنه لدينا إمتحان اليوم ، أساسا ( قلبي) لا يريدني أن أدرس أو أعمل ، يريدني مدللة في المنزل ويأتيني كل شيء على طبق من ذهب.

وقفت أتلقّى الصدمات الواحدة تلو الاخرى ، ولم أجد رداً ، خرجتُ دون أي رد أو نقاش.

اعتدتُ بعد ذلك على غيابها عن الامتحانات و عن المحاضرات.

كانت كل يوم ترسلُ لي مقطعا صوتيا من أغنية ، كان يُرسِلها هو لها ، و تُخبِرُني كم هي سعيدة بها.

و أستيقظ في الصباح لأجد سلسلةً من الرسائل لتُخبرني بها ماذا دار بينهما من حديث و عن أحلامها و طموحاتها التي سيُحقّقها لها ، شعورها بالانتماء إليه و أنّهُ ألطف ما رأت وأفضل شخصٍ يمر بحياتها.

كان يدور بيني وبينها الحديث عن الجامعة و إلى متى ستغيب فقد تُفصل و تضيع هذه السنة هباءا

قالت : لا اظن أنني سأكمل ، مادام هو لا يريدني أن أكمل ، سأتوقف ، فهو قال لي أنه سيأتي هو و عائلته

لم أُبدي أي سؤال و لم أجادل و اكتفيت بقول ( سهّل لكِ الله ووفّقكِ ).

ذهبتُ إلى الجامعة كان هذا آخر امتحان ، رددتُ في نفسي : هاهي السنة انتهت مُسرعة ، لو أنكِ أكملتِ يا مودة ، لكان خيرا لكِ ، وكُنتِ أنتِ المتفوّقة كالعادة.

انتهى الامتحان و عُدت إلى المنزل أجر على كتفاي الحزن والبؤس بشأنها.

مرّت الأيام و جاءت إلي و هي عيناها تملأها الفرحة ، اليوم سيأتون لخِطبتي.

فرحتُ لها جدا : حقا؟ أسئل الله أن يدوم سعادتكِ يا صديقتي وأن يجمع بينكما على الخير ..

وعادت تركض للبيت كعادتها .

جاء المساء ، لم يأتِي لا هو ولا عائلتَهُ ، تُجري له إتّصالاتٍ عِدّة و لا يرد ، تحادثهُ على الانترنت مغلق.

أتاني اتصال وحين فتحت : أهلا أهلا بالعروس ، ها أخبريني ماذا حدث ، أأُعجِبو بكِ أهله ، و ما رد والداكِ ؟

لتجهش هيَ بالبكاء …

فقلت : ما بكِ

قالتْ : لم يأتي أتصل به و لا يرد والانتر نت مغلق.

قلت : الغائب عُذرهُ معَه ، انتظري و ستعرفي السبب.

مرّت الايام ولم يرد عليها ولم يخبرها عن أي شي.

وذات صباح استيقظت فوجدت رسالةً في هاتفها

أنا لم أكن جِدّيّاً حيال موضوع إرتباطي بكِ فقط كنتُ أستفز خطيبتي لأنّني كنتُ على خِلافٍ معها ، كنتُ أتحدّثُ إليكِ على الانترنت و اُرسِلُ محادثاتنا إليها لأُزعِجها ، حتى حين طلبتُ اللقاء بكِ عند الوادي فقط لألتقط لي صورة معكِ وأُرسِلها لها لأُضَايِقها ، أعلم كم ستتألّمين حيال الموضوع ، و لكن الذنب ليس ذنبي أنتِ من كُنتِ ساذجة منذُ البداية ، و كان عليكِ أن لا تقبلي بمثل تلك العلاقة ، أنا وفي الليلة التي قلتُ لكِ أنني سآتي لخِطبتكِ ، ذهبتُ إليها للصُّلح ، و نحن الآن على مايرام و نُعِدْ لحفل زفافنا قريبا ، فأرجو منكِ عدم الإزعاج.

لم تكن صدمة ، كانت صاعقة بل و أعظم ، لم تتقبل الموضوع ، لم يكن سهلا على نفسها أن تُهان ويُلعَب بها هكذا ، خسِرَتْ دراستها ، تشاجرت مع والِداها ، ضحّت بكل ما تملك لأجل عباراتٍ عابرة على الانترنت من محادثاتٍ مع شخصٍ مجهول.

كانت تبكي و تبكي وانتهى بها الحال إلى ( سكتة ) أودت بحياتها وانتهت.

وبالرغم من كل الاساءات التي تعرضت لها ، كان الخطأ منها لأنها هي من سمحت من البداية أن تُرخِصَ نفسها.

#لم_نُخلقٍَ_عبثًا_و_لم_يرزقنا_الله_عقلا_ليملأ_مكانا_في_رؤوسنا

ريما سالم – ليبيا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s