عودةُ شهيد – سامية جفَّال – الجزائر

عودةُ شهيد ..

حلَّت الساعة الثانية عشرَ ليلاً، وحلَّ معها نداء البواخر مُعلناً أوَّل نوفمبر إنطلاق أوَّل رصاصة لإندلاع الثورة.

سمعتُها فاستيقضتُ، خرجتُ للنافذة أستمتع بتلك الأجراس وأقول في نفسي إنها ذكرى نوفمبر، هكذا جرت العادة في مدينتي الساحلية، فكلُّ سنة نحتفل بنوفمبر بهذه الطريقة، وبينما أنا كذلك إذْ برجل يرتدي ثيابًا كثيرة يلفُّ جسده ويحمل بندقية، بادرته بالسؤال:

ــ من أنتَ؟

-فأجاب :

ــ أنا من لبَّ نداء أوَّل نوفمبر. أنا من أطلق أوَّل رصاصة في وجه المستعمر. أنا جَدُّكِ الشهيد.

لـمْ أشعرْ بشيءٍ إلا وأنا بين أحضانه، آه جدِّي وأخيراً عدتَ لزيارتنا، الكلُّ مشتاقٌ إليكَ.

ــ كيف حالكَ؟

لـــمْ أُكملْ أسئلتي فقاطعني وعاد إلى الوراء قليلاً، لمحتُ دموعًا في عينه وبصوت مبحوح قال لي:

ــ بُنيتي.. أخذَ الـمُستدمر روحي وأرواح مليون ونصف مليون شهيدٍ لتعيشي في أرضٍ مستقلة بكل حرية، لتتعلَّمي وتُنتجي وتبني هذا الوطن، لتتكاثف جهودكم وتعيدوا بناء الوطن، لكن لم نرى شيئًا، فقد لـحقَ بنا العديد من الشهداء ونقلوا لنا حالة البلاد، لـمْ نُصدِّقْ أنَّ شبابنا يترك وطنه ويحلم بوطن آخر فيركب قوارب الـموت دون أنْ يُبالي. لـمْ نُصدِّقْ أن التنمية الاقتصادية لـمْ تبرحْ مكانها، فلا تصدير ولا تصنيع ولا فلاحة.

أيعقلُ أنْ نَمدَّ أيدينا للغرباء لنجلب الأكل والـملبس والآلات. لـمْ نُصدِّقْ أن الأوبئة تفشَّت، والأمراض انتقلت، والوفيات كثرت، والمستشفيات باتت أوكارًا للفساد، والوسائل انعدمت في العديد من المناطق. لـمْ نُصدِّقْ أنَّ البراءة تُغتصب وتُقتل وتُقطَّع ويُنكَّلَ بأجسادها. لـمْ نُصدِّقْ أنَّ هناك من يقتات من المزابل وأنَّ مؤونته لن تُعيلَ عائلته. لـمْ نُصدِّقْ أنَّ الشوارع والمساكن بقيت على حالها منذ زمن المستعمر، وأنه تمَّ تغييرُ بعضها، فقد انهارَ وتكسَّرَ وصُرف عليها الملايير دون جدوى.

لـمْ نُصدِّقْ أنَّ التعليم والصحة في حالة مستعصية، وأن الأدمغة في هجرة دائمة. أيعقلُ بُنيتي أن تعيشوا أمواتًا فوق أرض مَسقية بدمائنا الزكية؟ أيعقلُ أنْ تنسوْا كفاحنا وشهادتنا وما فعلته بنا فرنسا؟

هنا صرخت بأعلى صوتي:

ــ يكفي يا جدِّي فالمشعل به رمادٌ، وبه شعلة من نار، نار تُحرق قلوبنا على وطن لم نصنه ولم نضحِ من أجله كما فعلتم. صحيح ما وَصَلَكَ، لكن تغيَّر الزمان وتغيَّرت متطلبات الحياة، فالكلُّ منهمكٌ في تحسين معيشته، والجري وراء لقمة عيشه، وضمان مستقبله. فعلاً جدِّي لـمْ نعدْ نفكر بصوت واحدٍ، بلْ كثرت الأصوات وتعدَّدت الأفكار، لـمْ تعدْ أحلامنا صغيرة بل كبرت وفاقت كلَّ تصوُّرٍ، لكن لـم ننساكم وسنكمل مسيرتكم. كفكفْ دموعكَ جدِّي، فوطني بخير ولن نترك الكلاب المسعورة تَطاله، سنصبر ونستمرُّ ونعيش في أمنٍ وأمانٍ وسِلم وسلام.

هنا تعالت الأصوات:

ــ أغلقي النافذة، الجو بارد.. ماذا تفعلين؟

إنها أمي نبع الحنان أيقضتْها نسمات برد نوفمبر، عدتُ إلى فراشي كمن قتلتها رصاصة شهيد، انطلقت من باخرة محتفلة بالذكرى 64 من اندلاع الثورة المجيدة.

سامية جفَّال – الجزائر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s