إتكاءة على ضفة الميقات – الماحي محمدين – السودان

إتكاءة على ضفة الميقات …

إنها حكاية طويلة لا تنتهي ، حكاية الشجن والمكان ..المكان الذي ترك في فؤادي نشيجا يشبه حشرجة الفناء ، النحيب ، حنين الثاكلات ..حبات الرمل على قارعة المصير ، الإنتباه اليتيم ..ما أقسى الذكريات ، ما أجملها واروعها ،ما انبلها ..ربما هو إحساس قديم قدم التكوين..التكوين مطلقا والكائنات ، إحساس علق في سقف الفضاء ثم تربع في مشاجب الأبدية وأخذ يقتص منا رهن فراقنا الجنات ..

…..

حنتوب مدرستي الثانوية ، ستكون كتابتي عنها هي الأكثر ركاكة ، لأني سأكتب حرفا لأمسح دمعة ، فقد نسيت مجد العمر هناك ..أسفي فقد رحل المكان عن المكان ..كنت سأعود لألتقط مجدي القديم ، دثرتني عنه مواعيد القيامة ، لكن المكان ارتحل إلى غيوب الإنتهاك ،،

…..

كلنا هكذا ، قرأت ذات مرة أن النوستالجيا يعد أحد الأمراض النفسية ، مرحبا بأجمل الأمراض التي لا أبحث لها عن برء ،، يكفيني استدعاء للدمع أن أطالع فوتوغرافيا المجوعه التي أحتضنتها حنتوب مرة أخرى ذات نهار بعد ربع قرن من الزمان عندما صرخت أيام صبانا من جب المعنى والقيمة والذكريات ..لنكرم استاذ يوسف الذي كان مقيما في داخليتنا ونحفظ له الكثير من المحبة والود وهو قطعا يبادلنا منذ تلك الأيام وحتى يومنا وهو أيضا يأسره المكان أكثر منا فقد اندغم اثر التحاقه بالمؤسسة الجامعية التي ظفرت بكنز الغنيمة الحنتوبية أعني كلية التربية جامعة الجزيرة ، الاستاذ اصبح محاضرا هرما بالمؤسسة وقرر ألا يغادر المكان المقدس ..عود للرفاق الوسيمين الذين هم في حقيقة الأمر يكنزون حلما يشبه الاساطير ..حلم يخز الذاكرة وخزا أبيا باغتصاب هنيهة قديمة من التاريخ علنا نعود صبية للحظات ..علنا نلعب الكرة في فناء داخلية دقنة التي أصبحت نخرا موجعا في انشراخ الذاكرة بعد ان اخذتها يد الفناء المظلم ،،التي اخذت غيرها كثير من الاماكن ..الحظ يد الفناء اللعينة هذه في سرايات مفتشي مشروع الجزيرة وفي محطات السكة حديد وغيرها الكثير الكثير ..لعنه الله من نظام بائس قطع كل موصول وهدم كل بناء ..لكن الفناء الذي اجتاح داخلية دقنة مختلف وأيم ربي ،،إنها أرواح صبية أصبحت ملعقة على مشنقة الميعاد الجانح على كبد الغيوب ،،إنها هتافات فرح وحياة مزهرة تحملها هذه الفراشات في فراغ المكان ..يرمقها الناظرون من رفاقي الذين قدموا ساعة وجد أثيل ،،

تنسيق حديقة الداخلية ، نركل الكرة امام تلك الشجرة التي تؤم المكان شامخة تمد أذرعها مبتهلة لرب المكان ، بروفات المسرح. جلسات الأنس ..التلاقي والوصال الجميل ، الهنيهة .. النفس النوري ،، ملعب الباسكت ، الهروب من المذاكرة ، حميمية شجرة المانجو التي طالما تسلقناها من وراء ظهر خفيرها ، والنيل ..النيل واشجار اللبخ العملاقة التي تحوي كل واحدة منها حكاية بامتداد جذورها ..كانت الأشجار ترتصف في اتساق كأنها تصفق للحياة ، والنيل وجروفه وغراسه ..ويلاه منك يا نيل ،،بالله كيف كانت الحياة تضج بحياتها فصيرها المغضوب عليهم فارغة من كل نداء للعصافير ،، اللون أصبح كسيحا يسقط منه كل لحظة لحن الصبايا ،، إنها حكاية اغتيال الصقيع للسنبلات ومأتم النهر الفصيح.

….

كان يومها القادمون من اقاصي البلاد بل ومن اقاصي الدنيا على اختلاف مقاماتهم وخبراتهم وألقابهم المهنية والأكاديمية قد خلعوا عن أعمارهم ربع قرن من الزمان لوهلة كخرقة بالية رثة وعادوا أدراجهم بالريموت كونترول على خطى الشريط السينمائي ، عادوا مرة واحدة ..هل رأيت ميتا ينظر الى تفاصيل موته. ، نهارا يلحظ غروبه ، حكاية تخرج من ذاكرة حاكيها ، لغة تسقط حروفها ..هل رأيت فجائعية المعنى تلطم خد المواقيت الرحيمة ….

الوقت كان شرودا منفلتا جانحا وبعضنا يرتص كارتصاص القديم ، سنة اولى إلى سنتها الأولى ، سنة ثانية إلى سنتها الثانية ..سنة جامحة إلى جموحها ..سنة قديم اللاعجات إلى غراس المجد ..سنة ماطرة إلى رحمة الوصل وانتباه المكان ،..حنتوب

،،

الماحي محمدين .. السودان

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s