شيماء – زينب بوخريص – تونس

🌺شيماء🌺

على سفح جبل تقع قرية صغيرة: وارفة الأفياء،تتعالى فيها أشجار السرو السامقة في زهو وكبرياء. نشأت شيماء في تلك البقعة الصغيرة الباذخة الجمال، المتفردة حسنا وبهاء. في أسرة طيبة -شأنها شأن أهل القرية تقدس العادات و التقاليد- كانت والدتها قنوعة، صبورة… غير أن شيماء لم تأخذ عن والدتها طباعها ولا حتى عن والدها: كانت مختلفة، بسلوكها الغريب وتصرفاتها الشاذة : لم تكن تميل -كبقية الفتيات في عمرها- إلى اللعب بالدمى، بل كانت تعتبرها لعبا سخيفة… لطالما كانت تمقت تلك البيوت التي يشيدنها من الوسائد فتعمد الى تقويض بنيانها وأسسها. وعيناها كانتا تلمعان شررا وتقطران شماتة، وكثيرا مانشبت بينها وبين لداتها خصومة حادة بسبب اعتداءاتها على ابتكاراتهن، كانت تمعن في ازدرائهن عندما تقول لهن بنبرة تنضح سخرية :

-ألعابكن سخيفة و أحلامكن محدودة…

لشد ما كرهت أن تسرح لها والدتها شعرها و تشكله جدائل صغيرة، لم تكن تطيق تلك الضفائر.

فتصرخ قائلة:

-اطلقي لي شعري، أمقت هذه الجدائل البغيضة.

وكثيرا ما عمدت إلى فتحها وإرسال شعرها على كتفيها غير عابئة بما ستلاقيه من والدتها، التي كانت تستشيط غضبا و تكيل لها أقذع الشتائم صارخة:

-يا ابنة الكلب،انت لست طفلة، بل شر ابتليت به، سأهشم ذلك الرأس المتنطع الذي تملكين.

وتنقض عليها كما ينقض النسر على فريسته توسعها ضربا، والغريب أنها لم تكن تبدي اي اعتراض بل تلاقي الامر ببرود شديد وكأنما قدت من حديد، لا يؤثر فيها الضرب أوالتقريع، كان ذلك يستفز أمها كثيرا فتمعن في ضربها دون رحمة.

تذكر مرة انها ألحت على والدتها بأن تقص لها شعرها لكن والدتها رفضت بشدة، سيطرت عليها تلك الرغبة وأصبحت هاجسها الوحيد، وأزمعت أن تنفذها مهما كانت العواقب، اغتنمت فرصة خروج والدتها من المنزل ذات مساء صيفي، وتسللت إلى غرفتها، بحثت عن العلبة التي تحفظ فيها أمها أدوات الخياطة، تناولت منها أداة الجريمة و انقضت على الضحية المسكينة، تقصها قصا، بلا رحمة أو شفقة، لم يرف لها جفن وهي تقوم بجريمتها الشنعاء، بل كانت ثملى من النشوة.

تناثرت الخصلات هنا وهناك، نظرت اليها بتشف وحقد شديدين. ضحكت وهي تتأملها ملقاة على الأرض كجثة هامدة، وقالت في نفسها:

– لن تكون تلك الخصلات ضفيرة بعد اليوم، تخلصت منها إلى الأبد، نظرت الى نفسها في المرآة، تتأمل آثار جريمتها البشعة، فألفت منظرها يبعث على السخرية: شعر متفاوت الطول جعلها تبدو كمعتوهة..

عندما عادت أمها، وقفت أمامها بثبات، صدمت والدتها وكاد يغمى عليها،، وهي ترى منظر ابنتها المزري، لم تتمالك نفسها، جرتها مما تبقى من شعرها، وهي تصرخ:

سأقتلك و أتخلص من عنادك وتعنتك.

لم تقل شيئا، كانت سعيدة بانتقامها، الى حد الانتشاء حتى أنها لم تشعر بالألم…

ضحكت في سرها وهي ترى والدتها تتحول الى تنين ينفث نارا في كل مكان، أرضى ذلك غرورها وكبرياءها.

وجعلها تشعر بالنصر.

حدثت نفسها: أخيرا انتصرت لإرادتي….

وافق ذلك اليوم مجيء الغجر إلى القرية ليستقروا فيها بضعة أشهر. ثم يغادرونها الى مكان آخر.

استمعت لحكايات كثيرة عنهم من أهل القرية فتملكتها رغبة قوية في التعرف إلى نمط عيشهم،

و الاقتراب منهم، وبالطبع كان ذلك ممنوعا منعا باتا. تذكرت كلام والدتها عنهم:

-هم قوم همج يعيشون حياة مضطربة، يسرقون و يختطفون الاطفال الصغار ولا يتوانون عن فعل أشياء فظيعة….

كانت والدتها تظن أنها بهذا الكلام ستقنعها بسوئهم

و تردي أخلاقهم لكنها في الحقيقة كانت تضرم نار الشوق فيها لولوج عالمهم الغامض.

حدثت صديقتها المقربة بتلك الرغبة قالت بحماس:

-عليك أن تساعديني على الخروج من المنزل ليلا حتى أحضر عروض الغجر.

وفعلا تمكنت صديقتها من إقناع والدة شيماء بالسماح لها بمرافقتهم لحضور العرض.

كانت في قمة سعادتها رقصت طويلا، تدربت على رقصتهم و شاركتهم الغناء، كان ذلك أسعد يوم في حياتها. شعرت بأنها وردة تفتحت لتوها و نثت عبيرها في الكون بأسره، حلقت كفراشة جميلة، شاركت العصافير فرحتها وتغريدها. بدت لها السماء أكثر اتساعا و النجوم أكثر ألقا.

بعد ذلك لم ينقض يوم لم تذهب فيه الى حيث تنتصب خيام الغجر. عاشت معهم لحظات انتشاء حقيقية: شعرت بسعادة لا توصف، إنه العالم الذي تمنت العيش فيه منذ أن ولدت… أمضت شهرين من السحر وكأنها في حلم لذيذ لا تريد الاستيقاظ منه. رغم أن والدتها تفطنت لغيابها عدة مرات وعاقبتها بشدة. لكن ذلك لم يثنها عن الذهاب إليهم كلما سنحت لها الفرصة…

مع انبلاج فجر يوم جديد، كانت شيماء ترافق الغجر في رحلتهم الجديدة…

زينب بوخريص

تونس

15/7/2019

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s