المتسولة – محمد ساسي – تونس

المتسولة

ليس سهلا أن تمضي من أمامها دون أن تصطرع في ذهنك عديد الأسئلة ، ترمي بك في جحيم من الحيرة ، تحاول أن تستعيد صور من الماضي ربما كان زمن تلاشت فيه كل ملامح الحيز الذي جمعكما معا ..ربما لم يعد له أي معلم قائم أو ربما طواه النسيان كما طوى تلك الحكايات الصغيرة خلف جدران العائلات الكئيبة ..لكن لازالت صورة هذه المرأة تفتش لها عن أثر في دفاتري القديمة ، تحفر في رواسب الذاكرة علها تظفر برسم ما يبدد لحائف الضباب التي حجبت رؤية عن ذلك الطيف البعيد ، هذه العجوز التي تظهر أمامي فجأة ، مقوسة الظهر ، ترتدي أطمارا بالية ، تسأل المساعدة من كل مار في هذا الشارع العظيم ، شارع الثورة…أحاول أن أعرفها ولكن الذاكرة لا تلتقط الصورة النقية ..مازالت الصورة مشوشة ، مازالت تظهر كإنعكاس على صفحة ماء متموج ، مازلت ككثير من الذكريات تمر سريعة في خيالي دون أن تتجلى بوضوح ، دون أن تفصح عن خيوطها الدقيقة …يرهقني عناء التذكر والتذكر ، يضج تفكيري .. يأخذني لأنبش في ماض ما عدت أحفل به ، لحكايات قد توارت مع زحمة الحياة ، أريد أن أكون في هذا الحاضر، لكن لماذا صورة هذه العجوز تؤرقني ؟ هل مجرد رؤيتها في لحظة ما ، في مكان ما ، أنها الحاضر الذي أبحث عنه أو أن ما أنا عليه في الواقع هو الحاضر المعاكس للحاضر الذي تعيشه العجوز ، إحتدمت في خاطري كل هذه الأفكار وتزاحمت وتضاربت و برحت بي نحو عالم آخر يبدو سحيق في الزمن الغابر حتى كدت أشعر للحظة أني إقترفت إثما أو سلكت طريقا مثقلا بالخطايا ، كانت العجوز إشارة من علاماته ..

ألقيت بمثل هذه الهواجس خلف ظهري وإندفعت مسرعا نحو قضاء شأني الذي قدمت من أجله ، لم أكد أبرح المكان ببضع خطوات حتى سمعت صوتا أجش يقطعه سعال متحشرج يناديني ، إلتفت لأرى من المنادي …كانت العجوز تسارعني بإستفهام رماني في لج من الإظطراب والتوتر : أنسيت حسان ؟ إرتبكت ولم أعي ما حل بي …كنت على وشك المضي ونسيان ما تماوج به كياني غير أن سؤال العجوز أعادني إلى حيث المتاهة الأولى ..لم أستطع بمفردي أن أتبين موقعا للعجوز من حياتي ، فكيف والعجوز تمعن هي بدورها أن تجعل الصورة أكثر قتامة وأكثر هلامية …ماذا يعني سؤالها سوى أنها تعرفني وأن حسان لم يكن سوى الحجاب للتعريف بذاتها ..هل أصارحها بأن ذاكرتي لم تسعفني بمعرفتها أو بانها لغة من زمن ماض لم استطع فك شفرته أو أني في غمرة البحث عن الحياة لم أعد اتلمس شيئا من الوراء ..

إستجمعت قوايا و دنوت منها لأضح حدا لهذا التيه الذي قذف بي في وهج حكاية سريالية لا أذكر إني شخصية جوهرية في صياغة أحداثها ..إقتربت منها كثيرا إلى حد أن وجهي صار على قيد أنملة من وجهها ..حدقت في عينيها مليا ونطقت : أنا لا أعرفك أنت فكيف أعرف حسان ؟ إندهشت العجوز وأصابها شيئا من الإستغراب . زفرت بآهة من ملئ صدرها وإرتسم على وجهها المنمق بالتحاعيد قسمات تعجب مما أقول …لم تصدق أني لا أعرفها ربما تعتقد أن أنكر معرفتها أو أتجاهلها ، لا يعنيها ذلك تماما بل صعقتني بأن لي سر عندها وأنني حين أرغب في معرفته سأجدها هنا في ذات المكان …ثارت ثائرتي ولم أتمالك أعصابي فصحت في وجهها زاعقا ..يبدو أنك لغز لا ينطق إلا بالألغاز ..ردت بهدوء كأنها غير مستعجلة على الإفصاح عما تكتم من خبر لا عليك ستجدني دائما هنا متسولة أن أردت ان تتسول ما أظن به عليك الآن . إجتاحني غضب كبير وكدت أهجم على هذه العجوز لولا إنتباهي لجمع من الناس وقف ليشاهد ما يحدث ..تراجعت بعض الخطوات إلى الوراء وأنا أغمغم هذه العجوز تهذي هذه العجوز تهذي ..إنسحبت هي الأخرى وهي تنظر إلي بإبتسامة فيها كثير من الدهاء ، فيها إيماء بأني سأعود إليها ..توارت بين المارة ، دائما يدها ممدودة ، تردد هذه المرة بكل نخوة تراتيل التسول …

محمد ساسي تونس

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s