كتاب النثر الفني في القرن الرابع للدكتور زكي مبارك (قراءة نقدية) – مصطفى جمعة – ليبيا

كتاب النثر الفني في القرن الرابع للدكتور زكي مبارك هو مسح شامل ودراسة قيمة لنشأة وتطور النثر العربي في فترة تعتبر من اخصب المراحل الثقافية في تاريخ الادب العربي واغزرها انتاجا واكثرها تنوعا وهى الفترة التي تقع تاريخيا بين نهاية العصر الاموى وبداية العصر العباسي وهي تمثل ذروة وقمة النضوج الأدبي واللغوي كمّا ونوعا ، والتصدي لمثل هذا العمل هو تحد لا يستطيعة الا باحث كبير مثل الدكتور زكي مبارك ابن الجيل العظيم من كبار ادباء العربية و جهابذة الادب مثل د.طه حسين والأستاذ عباس العقاد، وسلامة موسى ولطفي جمعة وأحمد شوقي، و أحمد حسن الزيات ، وأحمد لطفي السيد ومصطفى الرافعي، .والذين كانت له معهم صراعات ومواجهات ومساجلات كبيرة.ومعاصر لمستشرقين من كبار المؤرخين والدارسين والناقدين للادب العربي لهذا فقد استغرق عشرين عاما في كتابته وجمع مادته واعداده وتأليفه حتى اخرجه بهذا الشمول والتكامل الفريد وهو لا يبخس حق نفسة في التعريف بكتابه وفي تقييم جهده اذ يقول في مقدمة كتابه…( ولكني أحب أن أكون في طليعة المنصفين لمؤلف هذا الكتاب، وهل من العدل أن أظلم نفسي وأنصف الناس؟

ُ إن هذا الكتاب أول كتاب من نوعه في اللغة العربية، أو هو — على الأقل — أول كتابُ صنِّف عن النثر الفني في القرن الرابع، فهو بذلك أول منارة أقيمت لهداية السارين فى غيابات ذلك العهد السحيق.

َّ ولن يستطيع أي مؤلف آخر — مهما اعتز بقوته، وتعامى عن جهود من سبقوه —أن ينسى أني رفعت من طريقه ألوفًا من العقبات والأشواك.)

وبالفعل فله السبق في اقتحام هذا البحر الزاخر من التراث الذي لم يجرؤ أحد قبله علي تناوله بهذا العمق والشمول بعد أن كان مجرد مكتبة تاريخية ومعين خام يأخذ منه الأدباء والكتاب شذرات من هنا وقطوف من هناك وكتبه لا نرى عناوينها إلا في قوائم المراجع في كتب الدراسات الأدبية والتاريخية .

وقارئ هذا الكتاب سيدخل فعليا إلى باب كبير من أبواب ثقافتنا اللغوية العظيمة ونفائس تراثنا الأدبي الذي فاق كل الآداب العالمية في تنوعه وكثافته وشموليته وسيجد جمال أسلوب الدكتور زكى مبارك الواضح فقد كان أسلوبه آية من آيات البيان، يجمع بين جزالة القدامى ورشاقة المحدثين وعبارته الخاطفة السهلة الشائقة ما يشده للمتابعة والقراءه. بالرغم من ان حجم الكتاب يتجاوز سبعمائة صفحة إلا أن طريقة ترتيبة وتقسيم فصوله بشكل يتجنب الإطالة المملة أو القصور المخل مع تكثيف المعلومة وإبراز مواطن الإثارة والجمال و التحقيق التاريخي والنقد اللغوى تجعل من قراءة الكتاب متعه لا تظاهى. كذلك فالكثير من قراء العربية في هذا الزمن لم يتيسر لهم الوقت الكافي ولا القدرة على قراءة الكتب الضخمة التي جمعت هذا التراث والتي يصعب حتى حصر عناوينها فكتاب واحد مثل الأغاني للأصفهاني يقع في 21 مجلد من القطع الكبير أي ما يقارب 8400 صفحة واستغرق الأصفهاني في تأليفه خمسين سنة ! وغيره الكثير مما تزخر به المكتبة العربية من أمهات الكتب مثل العقد الفريد لابن عبدربه الأندلسي ، وعيون الأخبار لابن قتيبة ، والبيان والتبيين للجاحظ ، وغيرها الكثير. فهذا الكتاب هو تأريخ شامل لأهم ما كتب من النثر الفني خلال تلك الفترة كما يقول الدكتور زكي :«أولُ منارة أُقيمت لهداية السارين في غيابات ذلك العهد السحيق.». فهو_ أي الكتاب_ يعد اطلالة حقيقية علي حقبة أدبية مثلت أزهي عصور الأدب العربي ، قدم فيه الدكتور زكي مبارك خلاصة ذلك العصر في كتاب يعد من أنفس الكتب في الثقافة العربية . ومن أهم ما يقرره الدكتور زكي مبارك في هذا الكتاب أن النثر في الأدب العربي تفوق علي الشعر وفاقه في أهميته والحاجة اليه ،وقد استشرف المستقبل حين أعلن في هذا الكتاب أن النثر أصبح صاحب السلطان في المشرق والمغرب، والكتّاب يحتلون مكانة يصعب أن يتسامى إليها الشعراء؛ لأن النثر هو الأداة الطبيعية لنشر الآراء والمذاهب والعقائـد ، والشعر – كفن دقيق مثقل بالقوافي والأوزان – غير خليق بتقديم مـا تـحتـاج إليه العقول صباح مساء من ألوان المعرفة العقلية والوجدانية، حيث يظل الشعر مقصوراً على بعض النوازع النفسية التي لا تستريح إليها الجماهير إلا في لحظات التأمل والرومنسية و الفراغ ، في إشارة إلى أن الزمن القادم هو زمن السرد الروائي والقصصي وتراجع الشعر .

كتاب النثر الفني في القرن الرابع يجدر ان يقرأه كل من يحب ويعشق هذه اللغة .. ويحترمها.

#مصطفى جمعه

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s