فضيلة – محمد ساسي – تونس

فضيلة

جلست متسمرة أمام جهاز الحاسوب ، مستغرقة مع موقع التواصل الإجتماعي ، تتصفح حسابها دون وجهة محددة ، تتعثر بين ثنايا الصفحة ، ليس هناك ما يروق لها أو ينتشلها من هذا القلق الذي يشوش حياتها ، فهي لم تعد تعير إهتماما متحمسا لما يعرض في الفايسبوك ، ربما لأن هذه الأيام تشعر بكآبة مريرة ، لم تستطلع مصدرها بعد لكن شعور الوحدة الذي خيم على حياتها يثير فيها رغبة البحث عن سبب التغير الطارئ في مزاجها .

هنا ، في وسط هذه الغرفة الخافتة الأضواء تنكب على هذا الحاسوب الذي صار أنيسا لها لتفرغ له كل الملل الذي لم تتعود به ذاتها من قبل لكن الفايسبوك هو بدوره لم يعد قادرا على إزاحة القتامة التي تتخلل نفسيتها …صار أشبه بواجهة إشهارية يعلن فيها روادها ما فعلوا وما يزمعون فعله وينشرون بلا خجل كل صورهم وكل صور أوضاعهم الحياتية …بات الفرد منهم لا يطيق أن يكون له عالمه الخاص الذي لا يطلع عليه أحد وبات المجتمع كله مصاب بعدوى الشهرة ، فالذي لا يستطيع أن يلمع نجمه في ظهور إعلامي يجد في الفايسبوك فرصة ليحقق رغبته في البروز والإنتشار ، هكذا صارت تنظر لكل الشبكة العنكبوتية برمتها لكنها هي بالذات لا تستهويها فكرة الإشتهار ورغم أنها جميلة وجذابة فإنها إمتنعت عن نشر صورها في الفايسبوك ربما خشيت في البداية من غضب زوجها لكنها الآن مطلقة تستطيع أن تفعل ذلك بحرية ، قد يكون هذا الطلاق سببا في شعورها بالوحدة …

في الأيام الأولى من طلاقها كانت قوية ، تحدوها إرادة صلبة في التحدي فالصدمة التي تلقتها من خيانة زوجها لم تكن هينة ، لقد خانها مع أعز صديقاتها ، لم تكن تتوقع أن يفكر في ذلك لا أن يفعله ، لم يكن ذلك من طبعه..كان لطيفا معها رقيقا ، يغازلها دائما ، لا يتخلف عن تلبية كل رغباتها ، كان يثيرها كثيرا بالشهوات ليسرع لتحقيقها بإشارة من إصبعها ، يمازحها أمام الجميع ويعلي من قدرها حتى يخيل إليها وللمحيطين بها أنها أميرة تمتلك الحب والسعادة والرجل الوفي ..لكن أن تضبطه متلبسا مع صديقتها وفي فراش نومها ..هذا وقع لم تتحمله …ربما لو حدث خارج منزلها لا يكون وقع فوق طاقتها أما أن يكون داخل مملكتها يعبث بحرمتها ويطيح بهيبتها فهذا ما لا تغتفره مطلقا ولا يمكن أن تنسى طعنة نصله أبدا ..

لقد حاول كثير من الرجال التقرب إليها ، فهي الجميلة ذات القوام الممشوق والشعر الأسود التي تدير رقاب كل من يروم إعتلاء المقام العالي ، لكنها مع ذلك لم تعبأ بتلك المحاولات بل كانت تزدريها بتأفف وآنفة وكبرياء وتشحن أحيانا ذلك الإزدراء بجرعة إحتقار إمعانا في إشعار معجيبها بضاءلة حجمهم أمامها وتأجيج أكثر ما يزيد النقص في ذواتهم أمام شخصها .

كان ذلك تحديها في عنفوان أزمتها …تستلذ بالإنتقام من زوجها في هؤلاء الفاغرة أفواههم أمام جمالها…وكم كانت سعيدة حين تحدثها زميلة من زميلاتها على أن أحدهم يتقطر صبابة عليها أو أنه مقتونا بجمالها أو أنه يريد الإرتباط بها …كانت تتملكها نوبة من العظمة وتتمنى في سرها لو أنهم ركعوا أمام قدميها في تضرع و إبتهال يلتمسون نيل بركاتها ..

مضى على فراقها له أكثر من سنة …لكن اليوم غير الأمس ، فهي تحس أنها ليست على ذات الموقف كما من قبل ، قد يكون وهج النقمة على الرجال قد فتر وبدأ شعور بالفراغ العاطفي يتسلل شيئا فشيئا إلى خلجات وجدانها.. في هذه اللحظة تشعر بالحاجة إلى حضن دافئ تلجأ إليه ، فلطالما كانت ليالي الوحدة صعبة ،وهي قلقة ، مظطربة ، مهزوزة ، لا أنيس بجانبها تبث له ألامها و شجونها ….تمر عليها ساعات الليل قاتمة ، موحشة وكأن الظلام خلع عليها سواده …ترعبها كل حركة مباغتة في هذا المنزل الفسيح …تشعرها من أنها وحيدة ، متوترة ،…تكتسحها كل الخيالات ، كل الفراغات ، داخل هذا الجسد ، نيران ملتهبة تنطلق على شكل زفرات حارة تدفعها من أن تتحرر من هذا القمقم المطبق على أنفاسها هي متلهفة ، ولهى ، لكنها تحاول أن تكبت عواطفها

عادت تعبث بفأرة الحاسوب ، تسرع بقرصها في تقدم مذهل لتلتهم ما ينشر على صفحتها ..حركتها غير عادية كأنها تبحث عن شيء بعينه ، عن شيء هي في أمس الحاجة إليه ..شدّ نظرها إعلانا معروضا بطريقة الأضواء التي تشتعل وتنطفئ للفت الإنتباه ، رسالته دقيقة وواضحة : << شاب عمره خمس وعشرون سنة يريد الزواج من إمرأة عزباء أو أرملة أو مطلقة ..لمن ترغب في ذلك التواصل على الخاص .>> تأملت فحوى الإعلان مليا ، رغم بساطته ، أحست فيه شيئا غير عادي ، شيئ يغريها أن تقترب منه ، ساورتها خواطر لذيذة وسمعت من بعيد صوت نفسها تسألها لماذا لا تتجاسر وتفتح صفحة أخرى من حياتها ؟ غير أن هذه المرة لا بد أن تكون متحرزة ، ليس بذلك الحب الأعمى التي غمرت به زوجها ولا بتلك الثقة البلهاء التي أودعتها عند صديقتها …هذه المرة لا تبحث عن الحب ، تريد فقط من يملأ حياتها ، من ينتشلها من بحر العزلة التي تكاد تغرق فيها ..علامات الغرق بادية على مزاجها المتعكر دوما وعلى صحتها التي تسارع إلى التدهور يوما بعد يوم ..لا يمكن أن تنكرها أو توهم نفسها بأنها على نفس العزيمة التي فارقت بها زوجها .. لقد أخذت إجازة من عملها لأنها كرهت الدنيا و لم تعد ترغب رؤية العالم فيها ، كان مطلق تحديها أن تنقطع في منزلها لنتقطع أواصر الحياة من حولها …لكن ذلك ليس من طبيعتها هي عادة لا تهاب التحديات ولاتضعف مواجهتها لها صورة زوجها الماثلة أمام عينيها وهو يعانق صديقتها في مشهد جنسي حميمي …ربما مآخذها على نفسها أنها تعاملت مع من حولها بعفوية الأسرة وأصدقاء الأسرة ولم تحترز من أي أحد ودفعها ذالك أن تنطوي على نفسها وتغلق منزلها عليها ..حدثتها نفسها بأن ذالك هروب وليس تحدي وأنه شعرت بالذنب من الإفراط في الثقة فعاقبت نفسها بتلك الطريقة لكن اليوم ستواجه أزمتها بطريقة أخرى ، بالخروج من عزلتها و الإندفاع نحو الدنيا ..ستتواصل مع الإعلان على سبيل الترفيه ، على سبيل لعبة تتسلى بها ، تشغل بها فجوة الفراغ التي تكاد تقتلها وعندما تملها ترميها …

فكرت مليا في طريقة التفاعل مع الإعلان وتساءلت فيما بينها : هل تجيب بأنها لا ترى مانعا من النظر في الطلب ؟ لكن هذا التصرف فيه وقاحة ، خدش لكبريائها ، وهي التي آلت على نفسها أن ترفض كل محاولات الصلح التي سعى لها زوجها وبعض من أهله وأهلها للعدول عن قرارها بالطلاق ، فلم تجدي كل التوسلات التي أبدها ندما على فعلته ولا شفعت معها كل الوساطات التي تدخلت لإعادة الأمور إلى ماكانت عليه من قبل الخيانة …فكيف يمكن لها الآن أن ترمي كل ذلك وراء ظهرها وتنحي لظرف طائش نتيجة حالتها النفسية المتشنجة …

كلا …إنها تطعن ذاتها مرة ثانية إذا فعلت هذا ..كيف تقبل أن تحاور غريب على مستقبل حياتها في حين غدر غريب من جنسه ماضي حياتها …لكن هي حسمت أمرها بأنها ستخوض التحدي بشكل آخر ..ستتواصل مع الغريب من وراء حجاب ..ستمد جسور علاقتها به من وراء الحاسوب وعندما تستشعر أي خطر ، تمنعه قبل أن ينال منها ..

نقرت بعلامة إعجاب على الإعلان دون تعليق بأي شيء آخر ، ثم قامت تتمطى ، تغمرها أحاسيس إرتياح ، مشت بعض الخطوات في الغرفة الواسعة ثم سقطت بجسدها كلها على أول أريكة تدحرجت فيها ، مسترخية بكل أعضائها في إستسلام تام لخواطر تنعش أحلامها وتأخذها لدنيا من الغبطة والسعادة

يومان مرّا ، لا إشارة في الفايسبوك تغير من أجواء القلق التي طبعت مزاجها ولا شيئ يدل على أن صاحب الإعلان إنتبه لعلامة الإعجاب التي أبدتها …قد يكون الإعلان له جدية وقد يكون لغرض علاقة متحررة وقد يكون لمجرد الهزل والدعابة …لم تعد تفكر البتة في غرض الإعلان ، ما يهمها أن تتحرر من هذا السجن ..أن يأتي أحد ما ليفك أسرها منه ..لم تعد تعنيها أن تنصت لأعراف النبل والفضيلة التي داست على كرامتها وهي الآن تحاول أن تفرض عليها سلطانها لتقطع عليها طريق رغبتها في الحياة وتطفئ جذوة اللهب التي إنقدحت شرارتها من جديد …لم ترفع الراية البيضاء ولكنها لن تغلق الباب نهائيا .

في اليوم الثالث ، طالعتها رسالة فور فتحها للفايسبوك ، الرسالة من صاحب الإعلان …مجرد رؤيتها هزتها هزا عنيفا ، أحست بدبيب حياة يسري في عروقها …لم تتطلع على الفحوى ولا تتطلع أن يكون مضمونه إيجابيا أو سلبيا ، يكفيها أنها صارت إنسانة ، كائن إجتماعي ..لا تقدر أن تعيش بدون أناس حولها ، ليس لما تقوله الرسالة شأن أو قيمة ، المهم أن هناك رسالة تداعت لها كل خلجات جسدها بإثارة مكامن الأنوثة فيها ..منذ سنة لم يخفق قلبها بمثل هذا النبض السريع ،تكاد دقاته تعلو على كل صوت في العالم لتعلن أنها عائدة لمجرى حياتها لكنّ المنبع سيكون غير المنبع الأول .

في هستيريا الوجد التي إجتاحت كل عضو فيها كادت أن تنسى فتح الرسالة…بيد مرتعشة وبروح تترنح بين الأمل والخيبة ، بين دنيا تريد أن تدير هي سير حركتها وبين حيرة من أن تفلت منها هذه الدنيا إلى الأبد…بين كل ذالك وذالك ، فتحت الرسالة : الرسالة تقول :<< لم يجب أحد على الإعلان ماعدا علامة الإعجاب الصادرة منك ، فإذا كان من الممكن أن تكون تلك العلامة همزة وصل للتعارف بيننا >>

ردّت على الرسالة بكل جوارحها وبكلمات مقتضبة : << من الممكن إذا كان ذلك لا يضايق أحدا منّا >> .

توالت فترات التواصل بإستحياء في بداية الأمر وبدأت شيئا فشيئا تسقط مؤونة التكلف بينهما حتى صار كل واحد يعرف كل تفاصيل حياة مخاطبه وبمرور الأيام إزداد تعلق كل واحد بالأخر فصارت لقاءات الفايسبوك بمثابة مواعيد غرامية ، يختلي بها كل حبيب بحبيبه ليبثه أشواقه وشجونه ولوعات الوحدة .

لم تعد تلك الردهات الحميمية من وراء موقع إجتماعي قادرة على إشباع نزوع كل واحد منهما نحو الأخر أو إطفاء نار الحرقة التي يتلظى بها كليهما فعزما على الإلتقاء في مقهى رومانسي من المقاهي الراقية في المدينة لنفض كل ما علق بهما من غبار الماضي الذي كان له وقعا أليما على مسار حياة كل منهما .

محمد ساسي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s