شمس ( قصة قصيرة ) – محمد المسلاتي – ليبيا – صحيفة المنبر

38020872_961472184031682_1440968335331164160_n

• شمس / قصّة قصيرة
بقلم / محمد المسلاتي – ليبيا
. في مواسم الشِّتاء، مع أطفال شارعنا ، كنتُ أنا وشمس أختي التي تصغرني بثلاثة أعوام ، نلون عيوننا بقوس قرح ، نمدّ أيدينا نتسلق امتدادات تقوساته ، تصطبغ خداها بحمرة الخجل ، تقول لي:-
– اختر لونك
– الأحمر .
– وأنتِ ؟
تصمت قليلاً ثم تقول :-
– البرتقالي
نركض غزالين شاردين تحت المطر ، نحتفي بهطوله ، نفتح أكفّنا نصافح كل قطرة تزورنا من غيمة مسافرة حطّت على رؤوسنا ، بللت ملابسنا روت أجسادنا ، نهتف في آنٍ واحد حين يشتد عزف الرِّيح على وجوهنا بقطراته ، نتذوق بشفاهنا طعم السماء ، وعندما تطفح السيول ، تحفر مساراتها في أرض شارعنا الترابية ، أصنع سفينة من ورق ، تقول لي وهي تمسح ضفائر شعرها المبتل :-
– فلتصنع لي مثلها ، أريدها أن تبحر ، وترسو مع سفينتك .
– تغترف بكفيّها ماء المزاريب ، تنثره شلالات على وجهي ثمَّ تجري مبعثرة ضحكتها عبر الشَّارع قبل أن تسبقني إلى البيت ، وتنال حصّتها من توبيخ أمنِّا بعبارتها المكررة :-
– ماذا دهاكما ؟ بللتما ملابسكما . ليس لكما غيرها ، سأحبسكما في الحجرة إلى أن تجف. تلك الليلة سمعتُ أبي يخبر أميّ بأنه لم يعد يحتمل البقاء في هذه البلاد ، عجز عن توفير اللقمة ، يتمزق قلبه لأنين أخي الصغير ، مرضه مزمن ، طرق مكاتب المسؤولين ، لم يلتفت إليه أحد ، قرر الرَّحيل مثل زميله في العمل ، سارقت النظر من وراء اللحاف ، أبصرتُ وجه أمَّي شاحبًا ، ظلت واجمةً بينما واصل أبي حديثه :-
– اتفقتُ مع أحدهم أن يرتب لنا إجراء ، السفر على متن قارب إلى إحدى الجزر الإيطالية ، دفعت له المبلغ ، غدًا صباحًا سنتحرك . فجراليوم التالي ايقظتنا أميّ . جهزّت حقيبة دفنت داخلها ملابسنا المهترئة ، وصرّة معقودة على ما تبقى من طعام ، وزجاجات ماء ، قدمت الحافلة تقافزنا إلى جوفها المحشور بأجساد ضامرة نتأت منها رؤوس لوجوه شاحبة محفورة بعيون يسكنها النعاس . شعرتُ بخوف ينتابني ، علّقت بصري بأمِّي التي احتظنت أخي الصغير بينما التصقت بها أختي شمس مثل قطة . أما والدي جلس إلى جانب السائق صامتًا ينظر إلى البعيد . عبرتني المسافات ، أدخلتني إلى عتمة الليل حين وقفت بنا الحافلة بقرب رصيف قديم ، ثمة رجال ملثمون يحركون أيديهم طالبين منَّا الإسراع ليتلقفنا قارب مطاطي شبه دائري بدا لي مثل فم حوت مفترس يعج بعشرات الأسماك المنتفضة ، لها وجوه رجال نساء أطفال ، التصقت بأمّي وأخي وشمس ، طوقنا أبي بذراعيه حمايةً لنا من ضغط الأجساد المتلاصقة ، تمايل القارب مهتزًا وسط الأمواج ، تقيّأت شمس في حجر أمّها ، شعرتُ بدوار ، سماء وبحر ، الموج يهدر ، دوامات من الزبد ، فجأةً علا الصياح ، أعقبه عويل أشخاص يتناثرون وسط البحر ، الماء المالح يملأ فمي، شعرتُ بالاختناق ، أغوص إلى القاع . عندما فتحتُ عينيّ ، لم أكن في القارب ، ولا في بيتنا ، أجساد على أسِرّة ، ملاءات بيضاء ، تلفّتُ حولي ، رأيت أمّي على السرير المجاور ، سألتها بصوت مبحوح :-
– ماذا حدث ؟
– تمتمت بوهن :-
– الحمد لله على السلامة
– أدرت ُبصري حولي ، سألتها :-
– أين أبي ، وأخي ، أين شمس ؟
– لم تجب ، انتبهت إلى أن أمّي تخبئ في عينيها ما يشبه المطر .
تتعاقب المواسم ، يضئ الأفق بأقواس قزح ، شمس غائبة، انتظرتها فلم تأت . بحر عميق يتعقبني ، القارب الحوت يشق أحلامي بأمواجه ، يطاردني بفكّيه المشرعين ، ظللت مهووسًا بالمراكب ، والسفن الورقية ، في المدرسة أسحب الكتب، الكرَّاسات من أدراج التلاميذ ، أحولها إلى سفن ، ومر اكب ، في البداية نشرتها في كلّ الشوارع ، وبعد أن أخذوني إلى هذا المكان بأسواره العالية علّمتُ رفاقي -الذين لا أعرفهم – كيف يصنعونها ، ويطلقونها تبحر عبر سيول المياه المتدفقة من صنابير أفتحها لهم ، تبتل مناماتهم البيضاء الموحدة ، وعندما تزورني أميّ أطلب منها أن تحضر لي معها في كلِّ زيارة كمية من الورق .
لم أعرف لماذا انقطعت زياراتها منذ فترة ؟!
لكنني ظللت أصنع عشرات السفن الورقية، أطلقها مع تيارات المياه العابرة ، أتابع الغيمات ، أفتش السماء لعلّ أبي يعود برفقته أخي ، أرنو إلى أقواس قزح ، ألاحقها ربما تكون شمس مختبئة خلف أطيافه ، تخضّب أناملها باللون البرتقالي، وتغزل جدائل شعرها بألق الضوء ، لعلّها تجئ في سفينة من سفائني المبحرة ، أو مع الغيم عند تساقط المطر . #محمدالمسلاتي#
******************************

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s