ضحية الإعلام (قصة قصيرة) – عبدالرحمن الرقيعي – ليبيا – صحيفة المنبر

25152307_335361206948009_5214406688768575116_n

ماذا تفعل عندما يصبح مجرد ذكر إسمك مثيرا للرعب؟!
ضحية الإعلام … ( قصة قصيرة) بقلم : عبدالرحمن الرقيعي
كان المسافرون يتدفقون فرادى وجماعات على مطار ” جرانبورت ” .. وهو من أكبر وأزحم مطارات العالم .. في حركة ذؤوب لا تنقطع .. الساعة تقترب من الحادية عشر صباحا .. صالة المغادرين تكاد تضيق بالركاب رغم ضخامتها .. تزاحم البعض حول لوحات جداول الرحلات .. طوابير طويلة أمام موظفي المناولة كل حسب وجهته .. عائلات يرافقها أطفالها .. تجمع صغيرلأسيويون يحملون أعلام صغيرة بلون موحد لغرض تنظيم حركتهم .. مجموعة شباب طوال القامة يتحدثون الإنجليزية بلهجة أمريكية ..يحملون حقائب ظهرية .. هيئة فريق كرة سلة .. سيدة طاعنة في السن ومع ذلك تقتاد زوجها الكهل بكل مودة .. وهو يتوكأ على ساعدها وبالكاد يتحرك .. مظهر انساني لوفاء عظيم .. مجموعة فتيات حسان يرتدين زي طيراني .. يتقدمهن رجلان يشقون طريقهم نحو مدخل خاص بأطقم الرحلات .. شاب يدفع بعربة ذوي الاحتياجات الخاصة يقل سيدة في منتصف العمر .. سيدتان تتحدثان إلى أحد موظفي المطار.. مقاعد الإنتظار تعج بالجالسين ..ما جعل الكثير منهم وبالأخص الشباب يجلسون القرفصاء كما افترش بعضهم الأرض .. سيدة تهدهد وليدها .. نداءات متواصلة عن رحلات قادمة وأخرى مغادرة .. ثم أذيع نداء أخير لركاب متأخرون .. وأعقب ذلك شاب ورفيقته خرجا يهرولان من السوق الحرة بعد سماع النداء ..كان الشاب طويل القامة نحيل الجسم .. ذو أنف بارز .. تدلى قرط نسائي من إحدى أذنيه .. وقد صف شعره وصبغه على هيئة رؤوس الديكة .. أما رفيقته فكانت شقراء .. هيفاء .. سبحت خصلات شعرها الأشقر الطويل خلفها .
فجأة انطلقت سيدة منقبة ترتدي عباءة سوداء وفي يدها حقيبة صغيرة تضمها الى صدرها وهي تصرخ بأعلى صوتها “جهاد” “جهاد” !!؟ في البداية لم يعرها أحد أي اهتمام .. ولكن عندما رفعت عقيرتها بالصياح وجعلت تهرول من مكان الى آخر .. دب الرعب في الجموع التي غصت بها الصالة وبدأ الصراخ خوفا مما قد تسفرعنه تحركاتها .. وهي لا تزال تصرخ “بالجهاد” .. تدافع الحضور واصطدم بعضهم ببعض وجعلوا يصرخون وهم يتوجهون يمنة ويسرة في هلع وفزع شديدين !!.. وكأنهم يفرون من وحش مخيف !!؟ ‘أطلقت صفارات الإنذار.. وصدرت تحذيرات عاجلة عبر مكبرات الصوت بضرورة إخلاء صالات المغادرة فورا .. ما زاد الطين بلة .. أخذ البعض وضع انبطاح !! وهرب المصطفون تاركين أمتعتهم .. كما قفز بعضهم الى داخل مكاتب المناولة بشكل هستيري .. وعم الهرج والمرج .. توجه عشرات من أفراد أمن المطار صوب الصالة المذكورة .. كما صدرت نداءات للشرطة من قبل إدارة المطار بمحاصرة صالات المغادرة .. تحسبا لعمل إرهابي وشيك .. وصدرت تعليمات برج المراقبة بإيقاف رحلات كانت على وشك الإقلاع .. كما ‘طلب من الرحلات القادمة تحويل مساراتها الى مطارات بديلة !! .. كانت المرأة لا تزال تصرخ “بجهاد” وبدأ العشرات من أفرد الشرطة يأخذون مواقعهم ويحاصرون الصالة !! .. كما التفت سيارات عديدة مصفحة حول المطار .. وتنامى الخبر الى الإعلام .. فقد قطعت أشهر القنوات الفضائية برامجها بكلمتي .. خبر عاجل : سيدة منقبة تنشر الرعب في مطار “جرانبورت ” المعروف بازدحامه الشديد وهي تنادي “بالجهاد” وتلوح بتفجير حقيبة في يدها .. يعتقد احتوائها على مواد قوية الانفجار .. كما يبدوا أن لها شركاء في نفس المطار لم يكشف عن هويتهم بعد !!؟ .. وتضاربت التحليلات السياسية من محلل إلى آخر!! .. فالبعض ينسب المرأة لما يسمى” بتنظيم الدولة” والآخر ينسبها لتنظيم “القاعدة” !!!؟.
بدأت محاصرة السيدة المنقبة من قبل شرطة الأمن .. في دائرة تضيق حولها رويدا رويد .. وهم يتصببون عرقا .. توقفت المرأة عن الحركة .. وهي تتشبت بتلك الحقيبة الصغيرة وتنظر اليهم في ذهول !!… كانوا يرتدون صدريات واقية من ألرصاص .. وخوذات معدنية سوداء .. موجهين أسلحتهم نحوها .. وهم على أهبة الاستعداد للرماية !!؟ ثم طلب منها أحدهم في حذر أن تضع الحقيبة على الأرض بهدوء وتسلم نفسها ‍!! .. ومرت لحظات سكون وكأنها ساعات .. وفجأة تسلل طفل صغيرلا يتعدى الخامسة من خلال أرجلهم وأسرع نحوها باكيا .. وهنا جثت السيدة على ركبتيها .. تحتضنه وانخرطا الإثنان في بكاء مؤثر !! .. وقالت معاتبة وهي تمطره بقبلات حارة وكأنها فقدته منذ سنين : جهاد .. لوين رحت حبيبي .. هيك شغلتني عليك .. ولميت علينا العالم !! احنا مو ناقصين همً .. ثم استطردت : جعان أمي أكيد جعان !! وأمسكت الحقيبة تهم بفتحها.. وهنا تراجع رجال الأمن الى الوراء في ذعر!!؟.. فتحت الأم الحقيبة وأخرجت بعض المرطبات وعصير فواكه ثم أخذت تطعم طفلها بكل مودة وحب .. تبادل رجال الأمن نظرات حائرة ..غاضبة .. ثم نظر اليها أحدهم وقال في صوت جاهد نفسه ألا يعكس حنقه وابتسامة مغتصبة : سفر ميمون سيدتي .. ثم انصرف الجميع .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s