” خديجار ” نحو نقد تحليلي / اغريبيل

” خديجار ”
نحو نقد تحليلي …

الفنان إنسان محير ، يقع في منطقة وسط ما بين العقل والجنون فلا هو يرتقي إلى كمال العقل فيصبح فيلسوفاً ، ولا يهبط إلى ما دون ذلك فيكون مجنوناً.
يقول فرويد عن الفنان بأنه رجل ابتعد عن الواقع لأنه لم يستطع مقاومة مطلب الإشباع الغريزي ، فعمد بمواهبه الخاصة إلى خلق نوع آخر من الواقع أطلق فيه العنان لكل رغباته ومطامحه ، وبدلاً من أن يغير شخصيته نراه يؤكد خيالاته وينشرها فيغدو البطل أو الشخص الذي رغب في ان يكونه ، متجنباً بذلك المسلك الذي يتطلب خلق تغييرات واقعية في العالم الخارجي .
يعتمد النقد التحليلي للنص الأدبي على منهج فرويد في التحليل النفسي الذي يقوم على ترك اكبر حرية في الكلام لمرضاه ، فيما يعرف بالتداعي الحر اللاإرادي للأفكار دون تدخل من المعالج ، وهذا الكلام غالبا يكون وليد حدث جرى في اليوم السابق أو وليد حلم يحرّض ويوجه دفقاً من التصورات والأحاسيس والعواطف والذكريات والأفكار التي تخضع بدورها للتحليل من قبل المحلل الذي يفك رموز اللاوعي فيها .
وهكذا فإن كل نتاج نفسي بما في ذلك الإبداعات الأدبية ، هو حل وسط بين قوة الرغبة والمحظور ، بين الرغبة الواعية واللاواعية ، وبين الرغبات اللاواعية ذاتها .
إن المبدأ الأساسي للنقد التحليلي هو الاستدلال على أثار تدخل اللاوعي في النصوص هذا الاستدلال الذي يمكن التوصل إليه من خلال غموض بعض الكلمات والصور والأقوال والمواقف السردية ، وقد يشتمل أيضاً على البحث عن تكرار ملح ، عن تنافر بين موضوع وعاطفة ، عن غرابة أو زلة لسان أو تناقض ، عن كلمة غير متوقعة ، عن غياب أو وجود مفاجئين أو تفصيل يمنح أهمية لجزئية معينة .
إن فعل الكتابة سلوك ، والإبداع الأدبي ليس إلا حالة خاصة يمكن تحليلها أو تفكيكها كغيرها ، إن كل نص هو حصيلة سبب سيكولوجي يحتوي على مضمون ظاهر وآخر مستتر ، كالحلم تماماً ، إنه غالباً ما يكون نتيجة لدوافع لا يعيها الكاتب حين يكتب .
“خديجار” هي خليط من الصور والخيالات والمشاعر والأفكار والهواجس والأحلام والذكريات ، صاغها الأديب القاص ( سالم العبار ) في مجموعة من القصص القصيرة . القصص الأربعة الأولى منها والتي تحمل عناوين ( الفارس ، البذور ، الرهان ، العورة ) خصصها الكاتب لعلاقة بطل مجموعته القصصية بأبيه ، تلك العلاقة التي تمثل حيزاً مهماً في ذاكرته ، وإن كانت قصة الفارس تعد أهمها ، ولهذا وضعها في صدارة مجموعته ، وتكمن أهميتها في أنها تضع حجر الأساس لعلاقة البطل بأبيه ، تلك العلاقة التي ظلت مسيطرة عليه بوضوح خلال بقية النصوص بل تعدت أهميتها أكثر من ذلك حيث حددت مفهومه للجنس وموقفه من المرأة عموماً.
الأب عند العبار ليس نمطياً كبقية الآباء الشرقيين الذين يتميزون بالقسوة والتسلط ، بل هو أب ضعيف كما صوره لنا يلهث خلف اللذة في شارع الشطشاط ، يقع فريسة للندم عندما يعرف أن أمره قد انكشف لدى ابنه ، فلا يقوى على رفع وجهه من شدة الخجل . هذه الحادثة بالذات هي التي أسست لعلاقة البطل بأبيه والتي اتسمت بالشفقة على الأب والشعور بضعفه ، بعد تحوله في نظر الابن إلى فارس مهزوم ، وأسد جريح ، وهذا ما يفسر اختفاء صورة الأب المتسلط القاسي وظهور صورة أخرى مغايرة لها تماماً لأب منكسر وواهن يثير في نفس الابن مشاعر الشفقة والعطف بدل البغض والكراهية .
والحادثة تؤسس لأمر آخر بالغ الأهمية لا يقل عن سابقه وهو علاقته بالجنس و المرأة ، تلك المرأة التي رآها تقف خلف أحد الأبواب بشارع الشطشاط تمشط شعرها ، نراها تتكرر معه وتلازمه صورتها في بقية قصصه . فإذا أراد أن يصف امرأة لا يصف إلا شعرها ، وإن ذكر أشياء أخرى فهي من باب استكمال الصورة ، وإن أراد أن يقول عن المرأة أنها جميلة يكتفي بالقول أن شعرها جميل ، بل إنه عند ممارسته للجنس للمرة الأولى لم ينس ذكر إنها كانت تسرح شعرها .
الجنس يمارسه بطل مجموعة العبار القصصية على استحياء خلسة كما مارسه أبوه ، ويتكرر معه مشهد الباب الذي رأى والده يلجه بشارع الشطشاط حتى أن كلمة الباب تكررت معه ستة عشر مرة في إحدى قصصه .
فنحن إذاً أمام شخص لا يكره أباه ، لأنه يشفق عليه , يصفه أحياناً بالفارس المهزوم و أحياناً أخرى بالطفل الوديع أو الرجل الذي يتقلص , يقتفي أثره في طريقة ممارسته للجنس ، تستهويه شعور النساء إذ يعتبر شعر المرأة مقياساً لجمالها ومحفزأ للشهوة .
في بقية قصص المجموعة يبدو الأمر مختلفاً ، فالصورة هنا أكثر اكتظاظاً بالتفاصيل ، يختلط الحلم بالواقع ، تتداخل الذكريات مع أحلام اليقظة ، تظهر الرموز وكأنها عصية على الفهم والتأويل .
القصة التي تحمل عنوان ” المس ” تقدم نموذجاً صارخاً على تكثيف الرمز وغنى الصورة وغموضها ، فريم الفتاة التي غرزت شفتيها في صدرالبطل لم تكن سوى رمز للموت والفناء الذي يغرز أنيابه فينا ، وعدم عذريتها هو إشارة إلى الخيانة التي يرتكبها الموت حيالنا ، أما الذبابة التي حطت على خده وسمع طنينها في أذنه فهي الحياة ذاتها بكل تفاهتها وانحطاطها ، وهو رغم ذلك محب للحياة نراه يتخلص من ريم رمز الموت ويدفعها بعيداً عنه ليجلس وحيداَ عند كل أصيل وسط أكوام الذباب رمز الحياة .
النار هذا الاكتشاف الذي يجمع بين اللذة والألم ، لذة الدفء وألم الاحتراق المبطن بخدر يبعث فينا متعة أخرى مغايرة تسرى في أجسادنا.
خديجة أو خديجار التي جعلها العبار عنوانا لمجموعته ، بالإضافة إلى كونها بطلة إحدى قصصه ، اكتوت بهذه النار وخبرت لذتها ، لذة اكتشاف الجسد ولذة الخدر الذي تحدثه العاطفة المفعمة بالشوق والالتياع ، خديجة حاولت أن تطفيء النار وتخمدها ولكن شفتيها لم تلتقيا ، سال لعابها على النار فزادها اشتعالآً.
يقول الناقد غاستون باشلار ” لكي يستمر حلم اليقظة بشكل ثابت ، لكي يبدع عملاً مكتوبأ ، لا بد له من إيجاد مادته ، لا بد لعنصر مادي من أن يعطيه جوهره وقاعدته الخاصتين “.
إن النار والماء والهواء والتراب عناصر أرسطو الأربعة ، هي المادة التي تغذي خيال العبار وأحلام يقظته ، وأن الذبابة التي حطت على خده وسمع طنينها في أذنيه ، وخيال الأخت الميتة التي أفسدت عليه منامه ، وصورة الأب الآثم الذي مات مهزوماً في رهان خاسر، ليست سوى صدى لرموز نجدها عند غيره من الأدباء .
فالمرأة كانت بديلة عن الموت أو قرينة له في إلياذة هوميروس ، وفي هاملت وعطيل شكسبير ، وفي المعتوه قصة دستوفسكي المشهورة ، والأب المرادف لمعنى السلطة بأشكالها المختلفة والذي يعني موته سقوط السلطة وزوالها نجده في ثلاثية نجيب محفوظ ، وفي رواية ( الشمس في يوم غائم ) لحنا مينة ، والفراشات والعصافير والشمس هي رموز للحرية لدى كل كتاب الرومانسية تقريباً ، أما الظلام والليل والكلاب التي تجوب الشوارع ليلاً فهي رموز لا يخطيء أحد في فك طلاسمها .
خديجار هي الواقع الذي لم يصل إلى مستوى الحلم ، والحلم الذي يسعى إلى أن يكون واقعاً ، إن زواج بطل مجموعة العبار القصصية من الجنيّة هو محاولة لخلق هذا اللقاء ما بين واقعه وحلمه ، هذا الزواج الذي جعل من الجسد أرضاً للقاء ومن الجنس اللغة التي تعبر عن فحوى هذا الحلم .

اغريبيل*

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s