أدعى مفتاح / الأديب مفتاح العلواني

أدعى مفتاح ..

أسمتني ابنةُ عمي على اسم عمي رحمه الله .. كرهتُ اسمي زمناً ثم أحببتهُ عندما قالت لي فتاةٌ في الثانويةِ أحببتها لمدة أسبوع : ( اللي يحلّوا بيه البيبان .. انشالله يقسم يا حبّان ) فتحوّل اسمي لـ شتاوةٍ .. لكنّها تركتني بعدها و أحبّت شخصاً يمكن أن يجلب لها الهدايا !! لا يهُم .. ما دمتُ لا أزال أفتح الأبواب .. أوّل رسالةٍ غرامية وصلتني كانت في الصف الرابع الإبتدائي !! كان اسمُها ( مريم ) و لا أذكرُ من الرسالةِ الآن سوى : ( M+M= حب .. و أنها كانت لا تنام الليل دون أن تفكرَ فيّ ) .. لففتُ الرسالةَ منتشياً و ذهبتُ بعد المدرسة و نِمت .. في المساء استيقظتُ على صوتِ قهقهاتِ إخوتي .. قال لي أحدهم و هو يمسك بطنه ضاحكاً : ( تعال تعال يا M+M عرّفنا على سعيدة الحظ ) فعرفتُ أن أمي وجدت الرسالة و هي تغسل بنطولني . من حينها و أنا أمزّق الرسائل عند باب المدرسة .. لكن أخي للآن و كلما قلتُ شعراً يتنهد قائلاً : آه يا مريم يا M !! معلمتي في الإبتدائي جارتنا .. من عائلة غنية.. كانت تكرهني .. تقول : ( إذا أتيت بهذا المعطف المهترئ غداً سأضربُك ) .. و أنا لا أملكُ غيره .. و خشية أن أخبر إخوتي فتحدث مشكلة كنت أخلعه قرب باب المدرسة و أخبّئُه .. أرتعد في الصف برداً لكنني أبتسم لأنها لن تضربني .. حتى إذا خرجت عانقتُ معطفي كثيراً و ركضت .. لا أدري لماذا أخبركم بهذه القصة .. ربما لأنني التقيت تلك المعلمة بعد خمس وعشرين سنة مصادفةً.. عرفتها و لم تتعرف علي .. لكنها كانت ترتدي معطفاً مهترئاً .. لم أطل النظر لها .. لكنني شعرت بذات لسعة البرد تلك بالصف رغم معطفي الثقيل !! مات أبي و أنا لازلتُ أقضمُ أظافري .. و أتهيّأ للحياةِ البائسة !! مات عندما كنتُ أرى كل الناس أقصرَ منه .. بكيتُ كثيراً و انتحبت لأجل أن يعود لكنّه لم يعُد .. كَانَ بسِيطاً .. و كنتُ أحلمُ كَثيراً و كلما حدّثتهُ عنْ حُلمٍ كانَ يبكِى .. ثُم يُسرّ لِي أن سَيبيعُ نَعجةً من نِعاجهِ العَشرة و يشتَري لي حلُماً ..مرّة قُلتُ له أنّي أريدُ درّاجة لأبتعِد عنْ بيتِنا فابْتسم .. ثُم رأَيتُ صرخةً تَتدحرجُ من صدْره .. لَم يبكِ حينَها .. لكِنه ابتَعد عنِ البيتِ بِلا درّاجة و ترَكنِي.. ماتْ أِبي .. و لمْ أحلُم بعدَها .. لكِنّني كُلما رأيتُ درّاجة أَبتَسمُ كمَا فعلْ و تَدحرجتْ ذاتُ الصرخةِ من صدْري .. أمي امرأة عتيقة .. لا تقرأُ و لا تكتُب و لا تعرف من هو الجاحظ و لا لمَ حرق نيرون روما .. لا تقرِض الشِعر .. لكنّها عندما يهيم بي الفرحُ تستحيلُ موشحاتٍ و قصائد .. و تقف بيني وبين سهام الهم كـ دعاءٍ مصفّح.. هذه ( رابحةُ ) أمي .. تُحدثني عن الحمار الذي رفسها في صدرها وهي صغيرة .. صدرها الذي أتكئ عليه كلما رفسني الزمان .. لا أساوم عليها امرأةً من العالمين . لي سبعة إخوةٍ وأنا ثامنهم .. نقفُ طابوراً واحداً .. إذا همّ واحدنا بالسقوط استحالوا كلهم كتفاً و أسندوه .. لي ستّ أخواتٍ أرتديهن كـ عـقد .. يحرُسن روحي من التهدّم .. يقُلنَ أنني سيد قلوبهن .. و أنا أتّشح سيفي كلّما اقترب منهن حزنٌ قطعتُ رأسه .. أحب الشِعر .. إنه يشعرُني بإنسانيتي .. أقرأ القصيدةَ كأنما أتحدث إلى قائلها .. و لا أحفظ القصائد عادةً !! أشعر أن حفظها يغيّب عني بعض جمالها لو قرأتها مجدداً .. أحب البحر أيضاً .. ليس ذاك الحب الذي يتحدث به الناس .. لكنني حقاً أحضنه كلما زرته .. و حين أنغمسُ في عمقِهِ و ألاحق أسماكه أشعر به يداعب ظهري .. يقول : لا تثق بي يمكنني أن أقتلك إذا جازفت .. لكنه للآن و هو يصافح جسدي و يبتسم .. و لكن ما أحبّه أكثر من ذلك بكثير هي امرأة تفصلني عنها مسافة ساعات قليلة .. و يربطني بها ما لا يُحصى من الوَجْد والشوق .. لم نلتقِ غير مرةٍ واحدة .. من يومها و أنا ألتقيها بقلبي كل ساعةً.. امرأةٌ تبدو سبيلاً !! و أنا الذي كنتُ قبلها متاهات .. لا أذكر كيف أحببتها تحديداً .. لكنني أذكر و هي تبتسم أن قلتُ لها أحبكِ يا امرأة فاستحالت سحابة .. و استحلتُ أنا أرضاً تستقبل غيثها .. من حينها و كلّما ضاقت عليّ الأرض بما رحُبت قلتُ لها ابتسمي.. تتصل في المساء غاضبةً تقول : ما بالك رجُل افتح هاتفك افتحهُ لأجلي .. لأجل روحي .. لأجل أن أرسلها لك في الصباح تُقبّل جبينك .. و أنتظر أنا لتُفرغ غضبها فأقول : جميلة و أنتِ غاضبةٌ .. فـ تسيل من سماعة الهاتف على شكل ورد .. شاعرة .. ترسلُ لي الحنين قصائد .. تقول ( انحبك يا راجل .. انحبك وماني قادرة نصبر عليك ) .. فأشعر أنني نوتة في كل هذا النشاز .. يحدثُ أن تُحب امرأةً بئراً كأنما روحك كانت سيولاً و استقرّت بـ قَعرِها !! أنا الآن لا أعرفُ إلا طريقها لذلك و كلّما سألني أحد عن منزلي وصفتُ له وجهها !! أدعى مفتاح .. للآن كلّ الذين وصلوا إليّ على شكل موجٍ تراجعوا .. و أنا أقفُ كـ شاطئ حزين لم أجرؤ مرةً على التشبّث بأحدهم !! لا شيءَ يمكنُ أن يُشعرني بالفرحِ كالتفاصيل !! التفاصيلُ التي لا يمكن أن تغفلَ عنها الروح النقية الجميلة .. التفاصيلُ التي قد تكمُنُ في الومضات .. في زوايا الأيام .. في عفويات الكلام .. في آخر رشفةٍ تحاول الحصول عليها من فنجان قهوتك .. في سطر باذخ الجمال يقع في منتصف روايةٍ مملة .. لذلك دائماً ما أستمتع بما خفي عن النظر و رآه القلب . أحب أن أعتذر لكل شيء ..للّيالي التي كنتُ أظنّها تطولُ عمداً .. للدمعِ الذي لم أذرفهُ بعدُ ..لـ يدي التي ما انفكّت تلوّح .. للصباحاتِ التي كانت تظنّني بخيرٍ لأنّني أبتسم ..للابتسامات أيضاً لأنّني كنتُ أغافلها و أبكي !! ..للطرقِ التي لم أطأها و أنا تائه ..للكلامِ الذي كان يجبُ أن يُقال ..للصمتِ الذي فُسّر بألفِ معنى بعيداً عن معناه .. للأوغاد الذين لم أخبرهُم أنهم قذارةُ هذا العالم ..لـ فراشي الذي يحملُ جثتي المسمومة كل هذا الوقت..للاعتذارات التي احتاجت اعتذارات ..للمواعيد التي وصلتها متأخراً بـ قصد و بلا قصد ..لأيّامي و أنا أحفرُ أمامها كي تسير في خط واحد لروحي لكم للأدب الذي ينعشنا .. أعتذر ..لأنه لا شيء يستحق أن نحزن عليه ما دام الأحبة بالقرب .. و ما دام هذا القلب ينتشي بأحدهم في كل هذه القذارة !!

One comment

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s